شهدت السياسة الإسبانية تجاه القضية الفلسطينية
خلال السنوات الأخيرة تحولاً عميقاً تجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي التقليدي إلى
تبني مواقف أكثر وضوحاً وجرأة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية. ولم يكن هذا التحول
وليد لحظة عابرة أو استجابة آنية لتطورات الصراع، بل جاء نتيجة تفاعل مجموعة من
العوامل الإنسانية والسياسية والقانونية، إضافة إلى رغبة مدريد في إعادة صياغة
دورها داخل الاتحاد الأوروبي بوصفها قوة متوسطة قادرة على التأثير في القضايا الدولية
ذات البعد الأخلاقي والإنساني. وفي هذا السياق، أصبحت إسبانيا من أكثر الدول
الأوروبية تأكيداً على ضرورة معالجة جذور الصراع، وعدم الاكتفاء بإدارة تداعياته
الأمنية والعسكرية.
وقد مثّلت الحرب على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023
نقطة انعطاف رئيسية في مسار السياسة الخارجية الإسبانية، إذ دفعت الحكومة إلى
مراجعة العديد من مواقفها السابقة. فبينما التزمت مدريد لعقود بالموقف الأوروبي
التقليدي القائم على دعم حل الدولتين والدعوة إلى استئناف المفاوضات، بدأت
تدريجياً تتبنى خطاباً أكثر نقداً للعمليات العسكرية الإسرائيلية، مؤكدة أن مكافحة
الإرهاب لا يمكن أن تبرر انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني أو استهداف
المدنيين أو تدمير البنية التحتية المدنية. ومن ثم، لم تعد القضية الفلسطينية
بالنسبة لإسبانيا مجرد ملف سياسي ضمن أجندة السياسة الخارجية، وإنما أصبحت قضية
ترتبط بالدفاع عن القانون الدولي، وحقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وجاء الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين تتويجاً
لهذا المسار الجديد، حيث اعتبرت الحكومة الإسبانية أن الاعتراف لا يمثل انحيازاً
لطرف ضد آخر، وإنما يعد استثماراً سياسياً في مستقبل السلام، ورسالة تؤكد أن إقامة
دولة فلسطينية مستقلة ليست مكافأة لأحد، بل استحقاق قانوني وسياسي طال انتظاره.
ومن هذا المنطلق، سعت مدريد إلى إعادة إحياء فكرة حل الدولتين بوصفها الإطار
الأكثر واقعية لإنهاء الصراع، في ظل تراجع فرص التسوية السياسية واتساع دائرة
العنف وعدم الاستقرار في المنطقة.
ولم يكن هذا التحول منفصلاً عن البيئة السياسية
الداخلية في إسبانيا، حيث لعبت الأحزاب اليسارية والتقدمية المشاركة في الائتلاف
الحاكم دوراً مؤثراً في دفع الحكومة نحو تبني مواقف أكثر صراحة تجاه القضية
الفلسطينية. كما أسهمت التحركات الشعبية الواسعة، والفعاليات الأكاديمية، ومنظمات
حقوق الإنسان، ووسائل الإعلام الإسبانية في تكوين رأي عام أكثر تعاطفاً مع
الفلسطينيين، الأمر الذي وفر للحكومة مساحة سياسية أوسع لاتخاذ قرارات كانت تبدو
في السابق شديدة الحساسية داخل الإطار الأوروبي.
وفي الوقت ذاته، يعكس الموقف الإسباني محاولة
لإعادة تعريف دور إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي. فبدلاً من الاكتفاء بمجاراة
التوافق الأوروبي التقليدي، سعت مدريد إلى بناء تحالفات مع عدد من الدول الأوروبية
التي تتقاطع معها في الرؤية، بهدف الدفع نحو سياسة أوروبية أكثر توازناً في
التعامل مع الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ويكشف هذا التوجه عن إدراك متزايد بأن
استمرار ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي يضعف مصداقية أوروبا، ويحد من
قدرتها على القيام بدور الوسيط المقبول في أي عملية سلام مستقبلية.
ومع ذلك، لم يمر هذا التحول دون كلفة سياسية
ودبلوماسية، إذ أدى إلى توتر ملحوظ في العلاقات الإسبانية الإسرائيلية، وتبادل
الانتقادات بين الجانبين، فضلاً عن ضغوط سياسية مورست على الحكومة الإسبانية
للتراجع عن بعض مواقفها. غير أن مدريد تمسكت بخيارها، مؤكدة أن دعم الحقوق
الفلسطينية لا يتعارض مع الاعتراف بحق إسرائيل في الأمن، وأن السلام الحقيقي لا
يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الاحتلال، أو غياب أفق سياسي يضمن للشعب الفلسطيني
إقامة دولته المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.
وفي المحصلة، يمكن النظر إلى التحول في السياسة
الإسبانية تجاه القضية الفلسطينية بوصفه انتقالاً من دبلوماسية الحذر إلى
دبلوماسية المبادرة، ومن الاكتفاء بالتأكيد على المبادئ العامة إلى اتخاذ خطوات
عملية تعكس التزاماً أكبر بالقانون الدولي والعدالة الدولية. كما يعكس هذا التحول
إدراكاً متزايداً بأن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق من خلال الحلول العسكرية
وحدها، وإنما عبر معالجة الأسباب البنيوية للصراع، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال،
وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإحياء مسار سياسي جاد يفضي إلى سلام عادل
ودائم يحقق الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة.
المراجع
1. European Council on Foreign Relations. (2024).
Recognition of Palestine: Europe and the future of the
two-state solution. https://ecfr.eu
2. European Union Institute for Security Studies. (2024). The
Israel-Palestine war and Europe's strategic choices. Paris, France: European
Union Institute for Security Studies.
https://www.iss.europa.eu
3. Real Instituto Elcano. (2024). Spain's foreign policy and the
recognition of the State of Palestine. Madrid, Spain: Real Instituto Elcano.
https://www.realinstitutoelcano.org
4. Spanish Ministry of Foreign Affairs, European Union and
Cooperation. (2024). Spain recognizes the State of Palestine. Madrid, Spain:
Government of Spain.
https://www.exteriores.gob.es
5.The International Crisis Group. (2024). The Israel-Palestine conflict: European responses and the prospects for peace. Brussels, Belgium: International Crisis Group. https://www.crisisgroup.org