المقدمة
تمثل جرائم الفساد من أخطر الجرائم التي تواجه
الدولة، لما تسببه من أضرار جسيمة تمس الاقتصاد الوطني والإدارة العامة وسيادة
القانون، فضلًا عن تأثيرها المباشر في إضعاف ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة كذلك تؤدي
الى اربكاك العمل في مؤسساتي الدولة او
انهيارها مما يجعل الأجهزة الرقابية ذات دورا فعالا خاصة عند قيام الموظف المكلف بالعمل باستخدام
نفوذه وسلطته في الوظيفة الإدارية لأغراض ومنافع شخصية. الأمر
الذي جعل مواجهته لا تقتصر على التجريم والعقاب، بل تتطلب منظومة متكاملة تضم
أجهزة رقابية وقضائية وتشريعية تعمل بصورة متناسقة لتحقيق الردع والوقاية معًا.
وانطلاقًا من ذلك، أولى المشرّع العراقي اهتمامًا
بالغًا بمكافحة جرائم الفساد، فسنّ العديد من القوانين التي تنظم تجريم أفعال
الفساد والعقوبات المقررة لها، كما أنشأ مؤسسات رقابية متخصصة، ومنحها اختصاصات
قانونية للكشف عن هذه الجرائم وجمع الأدلة بشأنها والتعاون مع السلطات المختصة في
تحريك الدعوى الجزائية ومن هنا برزت الجهات الرقابية ومن ضمنها ( هيئة النزاهة) والتي
تعد انموذجا لدراستنا باعتبارها احدى الهيئات
ذات الاستقلالية في أداء عملها ومراقبة الجهات الرسمية حسب ما نصت علية
نصوص القانون لانها ذات فاعلية أكبر في مكافحة جرائم الفساد والتصدي لها وذلك لما تملكه من صلاحيات وآليات تعطيها
الأهمية العظمى في مكافحة الفساد وجرائمه التي ترتكب في مؤسسات الدولة ، وهذا ما عززه فيما بعد قانون هيئة النزاهة رقم
30 لسنة 2011 وخصوصاً في المادة الثانية من ذلك القانون، وهذا القانون يعتبر
المرجع الأساسي الذي تستند عليه عمل الهيئة في الوقت الحاضر ، والتي تسعى من خلال
عملها كجهة رقابية على عمل المؤسسات الحكومية ومكافحة الفساد الذي يؤثر على نشاط
وديموميه العمل الإداري، وذلك من خلال مجموعة من الإجراءات القانونية التي
تتخذها هياة النزاهة الا وهو
التحقيق الذي يعد من أھم الاختصاصات التي منحت لھیئة النزاھة في سبیل أداء
عملھا في منع الفساد ومكافحته ، حيث أحال
قانون هيأة النزاهة الإجراءات التي تتعلق بالتحقيق في قضايا الفساد إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية وكذلك
نصوص قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 وذلك من خلال الرجوع إلى نصوص القانون المذكور، وبالتحديد الفقرة )أ(من
المادَّة (1) منه نجد أنها تحدِّد وسائل تحريك الدعوى الجزائيَّة بالشكوى والإخبار الذي يُقدَّم إلى الجهات القضائية المختصَّة.
ونظر لبيان دور المؤسسات الرقابية في مواجهة جرائم
الفساد ومكافحته وسوف ألقي الضوء على هذه
الظاهرة ومالها من اثار على واقع المصلحة العامة والحاق الضرر باقتصاد الدولة وحسب
محاور الدراسة
المحور
الأول
جرائم
الفساد واثرها على مؤسسات الدولة
تعتبر
ظاهرة الفساد افه مفترسة في المؤسسات الحكومية ومؤثرة بشكل كامل من خلال الاضرار بالمصلحة العامة والكسب الغير مشروع مما
يؤثر على المؤسسة الحكومية ويجعل منها أداة هشه في انجاز المعاملات ، تظهر
على شكل هدية، وتارةً يظهر على هيئة
مساومة، وأحياناً يتجلّى على هيئة خدماتٍ تسهيليّة وغيرها من أنواع
الفساد لذلك، تسعى السياسية الحديثة إلى تحديد مواطن الخلل فيها، ووضع أسس وضوابط لعلاجها، وبما ان الفساد يعدّ من أهم مواطن الخلل في المجتمع ،والتي تعمل السّلطات المختصة على القضاء عليه أو الحد منه، عن طريق تحديد الأشكال التي يتمثّل بها، والمجالات التي يرتبط بها، ومن ثم وضع طرق لمكافحته وحماية المؤسسات
الحكومية والتي تتمثل بمكافحة الفساد بتحديده، ومن ثم تجريمه عن
طريق القوانين العقابية ، وبما ان جرائم
الفساد
أصبحت من الظواهر الخطيرة التي تواجه المؤسسات الحكومية وما
تلحق الضرر بالصالح العام وما يترتب عليه من اثار تؤدي الى انهيار العمل وخطط التنمية، وكذلك زعزعة في ثقة الافراد بالحكومة ومؤسّساتها، لذا فان هذه الظاهرة تعد من سلبيات العمل
المؤسساتي فلابد من إيضاح مفهومها حيث عرف
الفساد بمعاني عده أهمها :
1- القصور القيمي عند الافراد، والذي يجعلهم غير قادرين على أداء الالتزامات الذاتيّة المجردة التي تخدم المصلحة العامة[1].
2- استعمال السّلطة العامة أو الوظيفيّة
وبجميع ما يترتّب عليها من صلاحيّات ونفوذ، وذلك لغرض تحقيق منفعة شخصيّة وبصورةٍ
مخالفة للقانون[2]
3- استغلال الموظّف في المؤسسة العامة أو
الأهليّة الخاصة لنفوذه لتحقيق منافع شخصيّة، على نحوٍ تمنعه القوانين[3]
4- القيام بأعمال تمثّل أداء غير سليم للواجب
،أو إساءة استغلال لموقعٍ أو سلطة بما في ذلك أفعالاً لإغفال توقعاً لمزية أو
سعياً للحصول على مزية يوعد بها، أو تعرض أو تطلب بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، أو
إثر قبول مزية ممنوحة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، سواءٌ للشخص ذاته أو لصالح شخص
آخر[4]
5- قيام الموظف المكلف بالعمل باستخدام
نفوذه وسلطته في الوظيفة الإدارية لأغراض ومنافع شخصية
6- سلوك ینطوي على استغلال الوظیفة ،
لتحقیق مصلحة شخصیة مادیة أو معنویة على حساب المصلحة العامة ، خلافاً للقوانین
واللوائح والتعلیمات[5]
نستنتج
من مفاهيم أعلاه والتي تمثلت بالفساد ومالها من تاثير على واقع مؤسسات الدولة ،
ولكي يتحقق الفساد لابد من توفر عناصر أساسية أهمها
1- إنّه
ظاهرة سلبيّة في المجتمع ترتبط بعدّة جوانب مختلفة أهمها الجانب الاقتصادي او السياسي
2- ان يرتبط الفساد بتحقيق مصلحة شخصيّة على حساب
الضّرر الذي يصيب المصلحة العامة.
3- ان يرتبط الفساد غالباً بالوظيفة العامة أو السّلطة والنفوذ التي
يقرّها القانون للفاسد.
المحور
الثاني مظاهر الفساد
وبما ان جرائم الفساد يمثل ظاهرة سلبية على مؤسسات
الدولة وذلك لإتيان الموظف بفعل مخالف
للقانون مما يستوجب تفعيل أجهزة الرقابة على جرائم الفساد ومتمثلة بهياه
النزاهة والتي تم إشارة اليها في التعديل الأول رقم 30 لسنة 2019 وبما
ان للجهات الرقابية دورا فعالا في مكافحة جرائم الفساد سوف نتطرق
الى اهم مظاهر الفساد ذات البعد المؤثر
داخل مؤسسات الدولة :
1- أولا الرشوة : يعد هذا النوع من اخطر
مظاهر الفساد في المؤسسات الدولة مما يضعف دورها في العمل كونه يصدر عن موظف بهدف الحصول على أموال أو منافع مقابل تنفيذ عمل، من خلال استخدام
سلطته داخل المؤسسة الحكومية أيّ من ناحية
المنصب والسّلطة مع وجود التباين في قيمة الرشوة أو جنسها أو طبيعتها فقد تتمثّل بمبلغ مادي أو هدية او غيرها [6]
، وهذا ما نص عليه قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل[7]، على جريمة الرشوة وحدّد لها عقوبة ، تتأخذ
الرشوة إشكالات مختلفة لكل حالة من الاحالات لكن موضوعها واحد على سبيل
المثال الرشوه في العملية الانتخابية والتي تستخدم من قبل مسؤولين في الدولة
التمويل غير المشروع للحملات الانتخابية ويقصد به توفير الدعم المالي من قبل الأشخاص الذين يملكون السلطة للمرشحين أو الأحزاب السياسية أثناء الحملات الانتخابية وفق ما نصت عليه
المادة 29 من قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم 45 لسنة 2013[8]
2- ثانيا الاختلاس
يعتبر الاختلاس
نوع اخر من أنواع الفساد المستشري في دوائر الدولة ومن المظاهر الشائعة في العمل الإداري من خلال قيام الموظف بالاستيلاء على كلّ شيء ذي قيمة لدى الغير ممن يتولّى مهمة المحافظة أو الإدارة على هذا الشيء ،
كما ايضا استيلاء لحسابه الخاص ،وقد اورد المشرّع في قانون العقوبات العراقي المعدل رقم 111 لسنة 1969 المواد القانونيّة
)من 315 إلى320)[9] لغرض معالجة جريمة الاختلاس، والتي اعتبرها المشرّع من الجرائم المخلّة بالشرف، ومن خلال ذلك ولكي يتحقق
الاختلاس أنْ يكون الجاني موظفاً عموميّاً أو مكلفاً بخدمة عامة، وكذلك يشترط في فعل الاختلاس أنْ يكون المال المختلس عائدٌ للدولة ومعهود للموظف أو المكلف بخدمةٍ عامة، .كما يشترط القانون العراقي رد المال المختلس من قِبل الموظف أو المكلّف لكي يتم الافراج عنه بعد انقضاء مدّة العقوبة
ثالثا العرف العشائري
يعدّ انتشار العرف العشائري بمثابة انعكاسٍ للفساد السّياسي والإداري المهيمن على العراق في المدّة الأخيرة، والذي أدّى بدوره إلى ضعف الدولة العراقية ، وعدم قدرتها على الحد من بعض الظواهر السّلبيّة التي بدأت تستشري في العراق وقد أصبح العرف العشائري بديلاً للتحاكم القانوني بين الافراد، كما أصبح وسيلة ضغطٍ وتهديد يستخدمها البعض، لحمل الطرف الآخر
)الخصم( على القيام بعمل أو ترك عمل حتى وإنْ كان قيامه بهذا العمل أو تركه له يولّد مخالفة قانونيّة تترتّب عليه، وكذلك أصبح العرف العشائري أيضاً وسيلةً لمظاهر الفساد
رابعا الواسطة: تعد الواسطة من الظواهر الاجتماعية العامة او أنها أداة أو وسيلة يستخدمها الفرد أو الأفراد
للوصول إلى شخص يملك سلطة القرار لتحقيق مصلحة لشخص أو أكثر , وهي خارج القنوات
واللوائح التنظيمية الرسمية . وهي تعد أحدى مظاهر الفساد المنتشرة في
العراق في وقتنا الحالي , وتعني من وجهة نضر أخرى: هي التدخل لصالح فرد ما, أو
جماعة دون الالتزام بأصول العمل والكفاءة اللازمة مثل تعين شخص في منصب معين
لأسباب تتعلق بالقرابة والانتماء الحزبي رغم كونه غير كفؤ أو غير مستحق
المحور الثالث
دور
المؤسسات الرقابية في مكافحة جرائم الفساد
يبرز
دور المؤسسات الرقابية والمتمثلة بهياة النزاهة دورا في مكافحة كافة أنواع الفساد
المستشري في مؤسسات الدولة حيث يعد دورها بمثابة دور وقائي في تفنيد مظاهر الفساد وملاحقتهم لمنع من
انتشار حالات الفساد في المؤسسات الحكومية والحفاظ عليها ، ومن اجل بيان دور أجهزة
النزاهة في التصدي لمظاهر الفساد واساليبه مخالفة وبما ان هيئة النزاهة تعد
من الهيئات ذات الاستقلالية في أداء عملها
ومراقبة الجهات الرسمية حسب ما نصت علية نصوص القانون لانها ذات فاعلية أكبر في
مكافحة الفساد والتصدي له لأنها تعد من
الأعمدة الأساسية لما تملكه من صلاحيات
وآليات تعطيها الأهمية العظمى في مكافحة الفساد ، وهذا ما عززه فيما بعد قانون
هيئة النزاهة رقم 30 لسنة 2011 وخصوصاً في المادة الثانية من ذلك القانون [10]،
وهذا القانون يعتبر المرجع الأساسي الذي تستند عليه عمل الهيئة في الوقت الحاضر ،
والتي تسعى من خلال عملها كجهة رقابية على عمل المؤسسات الحكومية ومكافحة الفساد
الذي يؤثر على نشاط وديموميه العمل الإداري ، يتجلى دور الذي تقوم به هياة النزاهة
في مؤسسات الدولة باعتبارها دورا يوقي وقوع افشاء
مظاهر الفساد حيث هدفت هيئة النزاهة من اجل الحفاظ على المؤسسات الدولة من الفساد وحماية
المصلحة العامة الى جملة من الأهداف ابرزها
1- مكافحة الفساد الاداري والمالي من خلال جملة من الصلاحيات والإجراءات القانونية والتحقيقية.
2- الوقاية من مظاهر الفساد اعتمادا على منهجية واسعة في اقتراح مسودات· قوانين تتعلق بمكافحة الفساد بكل اشكاله، واصدار لوائح السلوك الوظيفي، واعتماد مبدأ الشفافية في عمل المؤسسات الحكومية.
3- تثبيت الحكم النزيه والعادل، وزرع ثقة الشعب بالحكومة، من خلال استقلالية
· عمل الهيئة، وحمايتها من أي تأثيرات خارجية.
4- نشر ثقافة النزاهة بين اوساط المجتمع، من خلال برامج هادفة الى توعية
· الافراد والمؤسسات، وكذلك تنمية اطر التعاون من مؤسسات المجتمع المدني؛ بهدف تنظيم هذه المؤسسات في إطار عمل مع الهيئة يخدم التوجه العام لمكافحة الفساد والوقاية منه.
ولغرض
الحفاظ على مؤسسات الدولة من مظاهر التي اشارنا اليها سابقا رسمت هياة النزاهة
سياستها عن طريق وضع اليات تحد من انتشار الفساد وجرائمه ضمن المؤسسات الدولة ،كما
أن النجاح في مكافحة الفساد يتطلب رسم استراتيجية واضحة تشمل على إجراءات ذات طابع
شامل ومتكامل يجري العمل بمثابرة ودأب لتنفيذها فمن المعروف أن أية ظاهرة سلبية
يمكن أن تصبح شديدة الخطورة عندما يغض النظر عنها أو يتوقف النضال ضدها فان
الاليات التي تتخذها الجهات الرقابية على العاملين في المؤسسات الحكومية ما هو الا
للحد من ظاهرة الفساد والجرائم المرتكبة او ردع الاشخاص سواء كانت من جرائم المخلة بالشرف من حيث
الرشوة والاختلاس فان تشديد العقوبات بحق الموظفين يحد من استعداد الموظف لارتكاب
وكذلك توسيع دائرة العمل المنتظم في المؤسسات الحكومية عن طريق الشفافية والنزاهة
تجعل أداة تنظيم العمل الإداري ، كذلك من اليات القانونية هو التعاون ما بين
النزاهة ومؤسسات المجتمع المدني عن أدوار الجهات الرقابية بالمواجهة جرائم الفساد
والتصدي لها عن طريق منظومه متكاملة والتي تتمثل بهياة النزاهة وكذلك أيضا دور
الاعلام وعلاقته بالتعاون مع النزاهة في ردع حالات الفساد في الدولة .
[1] اسراء علاء الدين نوري، دور مؤسسات المجتمع المدني في مكافحة ظاهرة الفساد
)دراسة حالة العراق (، بحث منشور في
مجلة جامعة تكريت للعلوم القانونية والسياسية، المجلد 2 ، العدد 6، عام 2010 ،ص37
[2] رنا
سليم
أمانة،
إثر
الفساد
على
تحقيق
الأمن
الغذائي،
بحث
منشور
في
مجلة
ميسان
للدراسات
الأكاديمية،
عدد
خاص للمؤتمر
العلمي
الدولي
الثالث(،
العراق،
2019 ، ص 208 .
[3] زياد سمير زكي الدباغ، دور مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العراقي في مكافحة الفساد
" مصر(2010-2017)
أنموذجاً"، بحث مقدم إلى جامعة الموصل
- كلية العلوم السياسية، منشور في مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية، المجلد15 ، العدد 1 ، لسنة 2018 ، ص 1190 .
[4] المادة ) 15 / أ( من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003
[5] إبراھیم
حمید كامل، الاختصاص الجنائي لھیئة النزاھة في العراق، رسالة ماجستير مقدمة الى رئاسة مجلس
كلية الحقوق ، جامعة النهرين،2013، ص11
[6] هاشم الشمري وايثار الفتلي، الفساد الإداري والمالي وآثاره الاقتصادية والاجتماعية، دار اليازوري للنشر والتوزيع، عمان،
الأردن، 2011 ، ص 56-57
[7] المادة
(307/الفقرة أ) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969
[8] مادة 29 من قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم 45 لسنة 2013
9 المواد
( 315 إلى320 ) من قانون العقوبات
العراقي رقم 111 لسنة 1969
[10] المادة الثانية من قانون هيئة النزاهة رقم 30
لسنة 2011.
دور المؤسسات الرقابية في مكافحة جرائم الفساد
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!