سوميا أواستي*
بينما يرسخ
تنظيم الدولة الإسلامية أقدامه في أنظمة الألعاب الإلكترونية، وثقافة "الميمز" (meme
culture)،
وخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، فإن المعركة على عقول الشباب تُخاض اليوم في
ساحات لم يتمكن المنظمون من رسم خرائطها بعد.
لقد أدى صعود
"الأصليين رقمياً" (digital natives) على منصات التواصل الاجتماعي إلى تغيير
طريقة تواصل العالم، وأصبحت ثقافة الميمز والسخرية والفكاهة في السياسة إحدى الطرق
الجديدة التي يعمل من خلالها التفاعل الاجتماعي والتأثير الأيديولوجي. وقد أظهر
تنظيم الدولة الإسلامية (IS) قدرة على التكيف مع التضاريس الثقافية الجديدة عبر دمج نفسه في منصات
التواصل الاجتماعي، وجماليات عرض المحتوى، ولغة الجيل Z — مما يشكل الطريقة التي يتواصل بها
الشباب، ويتفاعلون اجتماعياً، ويحددون هوياتهم عبر منصات التواصل والألعاب،
والموسيقى، ومقاطع الفيديو القصيرة، والميمز المليئة بالسخرية. ومن خلال هذه
التكتيكات، يعمل التنظيم على تعزيز حضوره في البيئات الرقمية التي يقضي فيها
الشباب معظم أوقاتهم، مما يؤثر على تصوراتهم وسلوكهم الاجتماعي.
يعمل التنظيم
الآن من خلال المحاكاة الثقافية، والتعزيز الخوارزمي، وتوجيه المستخدمين عبر منصات
متعددة، منتجاً محتوى لا يمكن تمييزه -عن قصد- عن ثقافة الشباب السائدة. وقد استغل
تنظيم الدولة التكتيكات الرقمية للتأثير على الفضاء الإلكتروني من خلال عملية
تدريجية، تستخدم أساليب: الجذب (محتوى عن الظلم)، التفاعل (التواصل عبر مجموعات
خاصة أو رسائل مباشرة)، العزل (إبعاد المستهدفين عن العائلة والأصدقاء)، والتصعيد
(تقديم الأيديولوجيا بمهارة وتشجيع العمل). ولتنفيذ هذه العملية، يتم توظيف
تكتيكات معينة، كما هو موضح أدناه:
البنية
الخوارزمية للتطرف
لعل العامل
الأكثر أهمية من الناحية الهيكلية هو دور الخوارزميات؛ ليس فقط كقنوات سلبية
للمحتوى المتطرف، بل كمحفزات نشطة له. فالمواد المصقولة جمالياً والمشحونة عاطفياً
في قوالب مألوفة ثقافياً هي بالضبط ما صُممت أنظمة توصية المنصات لتضعه في
الأولوية وتنشره. يستغل التنظيم ما يمكن تسميته بالمحتوى "الجذاب" (cool) لخفض الدفاعات النفسية لدى المشاهدين
الشباب غير المدركين للنية الأيديولوجية الكامنة.
وجدت دراسة
أجريت عام 2024 ونشرت في دورية (Social Science Computer Review)، استخدمت أساليب الهندسة العكسية لتدقيق
خوارزمية توصيات "تيك توك"، أن آليات تخصيص المحتوى في المنصة لا تعمل
كأدوات محايدة لمطابقة التفضيلات، بل كمساهمين نشطين في نشر المحتوى المتطرف. يصنف
التطبيق ملفات تعريف المستخدمين ثم يعزز التعرض للمحتوى من خلال تضييق النطاق
الأيديولوجي. هذا الديناميكي الذي يشبه "جحر الأرنب" ليس عرضياً في
تصميم المنصة؛ بل هو نتيجة هيكلية لمنطق تعظيم التفاعل.
منصات الألعاب
كبنية تحتية للتجنيد
الميزة الثانية
لاستراتيجية التنظيم الرقمية هي استخدامه لمنصات الألعاب مثل (Roblox) و(Minecraft) و(Discord)، والتي تشكل جزءاً مهماً من بنيته التحتية
الرقمية. توفر بيئات الألعاب للتنظيم عدة مزايا هيكلية: التفاعل بأسماء مستعارة،
ومجتمعات دقيقة مترابطة عاطفياً، وتطبيع العنف داخل إطار مُلعّب (gamified). إن محتوى التنظيم المدمج في فضاءات
الألعاب لا يعلن عن نفسه كدعاية؛ بل يتحدث باللغة الثقافية للألعاب — المهام،
الإنجازات، والانتماء — بينما يقوم بدمج اللاعبين الشباب تدريجياً في السرديات
المتطرفة.
وجدت دراسة
أجرتها رابطة مكافحة التشهير عام 2024 بعنوان "الكراهية ليست لعبة"، أن
30 بالمائة من اللاعبين عبر الإنترنت في الولايات المتحدة واجهوا دعاية متطرفة في
فضاءات الألعاب. وحددت دراسة منفصلة علاقة بين دوافع الألعاب والمواقف المتطرفة،
حيث يؤثر التهميش والعزلة بشكل كبير على نفسية اللاعب. إن الرغبة في المجتمع
والانتماء والتقدير هي ما تستغله الجماعات المتطرفة أثناء الألعاب عبر الإنترنت؛
حيث تحدد الأفراد القابلين للتجنيد في لحظة أصبحت فيها فضاءات الألعاب موقعاً
رئيسياً لتكوين الهوية الاجتماعية.
تستخدم الجماعات
الجهادية، بما فيها تنظيم الدولة، مجموعة من الاستراتيجيات المرتبطة بالألعاب، بما
في ذلك تضمين المحتوى الأيديولوجي داخل تعديلات الألعاب (game mods) والاستفادة من اللغة الثقافية لألعاب
التصويب من منظور الشخص الأول للوصول إلى الجماهير الشابة وتجنيدهم.
ثقافة
"الميمز" وجمالية الأيديولوجيا
الميزة الثالثة
الرئيسية هي تحويل ثقافة "الميمز" إلى سلاح كأداة للتواصل مع الجيل Z. لم يعد المحتوى المرتبط بالتنظيم ينتشر
كدعاية يمكن التعرف عليها، بل يندمج مع ثقافة الشباب السائدة، مستغلاً طبيعة عدم
الرسمية والفكاهة التي يعالج من خلالها الشباب عادةً المعلومات الاجتماعية
والسياسية. تُستخدم شخصيات الميمز المألوفة مثل (Pepe) و(Wojak) و(GigaChad) لتطبيع الأفكار المتطرفة من خلال
الفكاهة، مما يجعلها تبدو أقل عنفاً أو سياسية. المحتوى الفكاهي يميل إلى المشاركة
على نطاق أوسع عبر المنصات، وهو ما يصب في مصلحة التنظيم من خلال تضخيم دعايته.
يمثل استخدام ثقافة الميمز تحولاً في الرسائل الجهادية — بعيداً عن التأطير الديني
التقليدي ونحو صيغ مصممة لجذب الشباب.
تُستخدم الفكاهة
الساخرة لتنمية الصداقة وتعزيز ديناميكية "نحن ضد هم". يصور التنظيم
الأعداء كحيوانات أو روبوتات وينشر السخرية لتهكم عليهم.
غالباً ما
تستهدف الدعاية الرقمية للتنظيم نقاط الضعف في هوية الشباب. فالشباب الذين يعانون
من الإقصاء على أساس الدين أو العرق أو اللون — أو الذين يصارعون العزلة
الاجتماعية ونقص الشعور بالانتماء — يتم استغلالهم وعرض الغاية، والأخوة،
والأهمية، والوضوح الأخلاقي عليهم كبديل للضياع الاجتماعي.
حدود حوكمة
المنصات
التدابير
المضادة الحالية بشأن إشراف المنصات غير مناسبة لمواجهة الدعاية الرقمية التي تقوم
بها المنظمات الإرهابية مثل تنظيم الدولة. فمنصات الألعاب، على سبيل المثال،
لامركزية، حيث يتم توزيع الاتصالات عبر تطبيقات وقنوات خاصة تخضع لإشراف أقل بكثير
من وسائل التواصل الاجتماعي. لقد أدت الخوارزميات والميمز إلى طمس الخط الفاصل بين
المحتوى الضار والفكاهة أو الكوميديا السوداء، وتكافح أدوات الكشف التلقائي عن
اللغة للتعرف على الميمز، والمصطلحات الدارجة، والرموز المتطرفة المدمجة سياقياً.
وتعمل مسؤوليات الحوكمة المجزأة بين مطوري المنصات والناشرين والمشرفين وخدمات
الاتصال التابعة لجهات خارجية على إضعاف المساءلة بشكل أكبر. كما أن اختلاف الأطر
القانونية عبر الدول يعني عدم وجود بنية مقبولة عالمياً لمراقبة منصات التواصل
الاجتماعي وتطبيقات الألعاب.
ونتيجة لذلك،
تظل السياسات الحالية المتعلقة بمكافحة تطرف الشباب قاصرة وغير فعالة، حيث تفشل في
مراعاة نقاط الضعف الاجتماعية والتكنولوجية الفريدة لدى الفئات السكانية الأصغر
سناً.
الآثار المترتبة
على السياسات
تتطلب مواجهة
الوصول الرقمي لتنظيم الدولة استثماراً شاملاً واستباقياً وطويل الأمد في أطر
مكافحة التطرف التي تتفاعل مع الحقائق الاجتماعية والثقافية والرقمية، بدلاً من
الاعتماد بشكل أساسي على الإزالة التفاعلية للمحتوى.
يجب على
الحكومات وأصحاب المصلحة الاستثمار في تعليم الثقافة الإعلامية الرقمية والتدخلات
القائمة على الأسرة في كل مستوى من مستويات التعليم، من الابتدائي إلى الجامعي،
لبناء حوكمة أكثر قوة للسلامة عبر الإنترنت. ينبغي تشجيع شركات الألعاب ووسائل
التواصل الاجتماعي على دمج أدوات إبلاغ وآليات احتكاك أقوى لتقليل التعزيز
الخوارزمي للمحتوى الضار. كما يجب تدريب الأجهزة الأمنية والجهات التنظيمية
ووكالات إنفاذ القانون على فهم الفروق الثقافية الدقيقة للألعاب والثقافات الفرعية
عبر الإنترنت، واللغة العامية الرقمية، والتقنيات الناشئة.
الخاتمة
لن يتم تفكيك
"الخلافة الافتراضية" من خلال أي تدخل واحد. لقد حول تنظيم الدولة
عملياته من البث الإعلامي التقليدي إلى الاستغلال الغامر والتفاعلي لأنظمة الألعاب
البيئية — ومواجهته تتطلب استجابة متطورة هيكلياً بقدر الاستراتيجية التي يسعى
لتفكيكها. يجب على شركات التكنولوجيا إنشاء آليات منظمة لتبادل المعلومات تغطي
الشبكات المتطرفة، ومؤشرات السلوك المشبوهة، والاتجاهات الناشئة عبر الإنترنت، مع
الحفاظ على الضمانات القانونية لخصوصية المستخدم. وينبغي للحكومات توضيح
الالتزامات القانونية المتعلقة بالمحتوى المتطرف في الفضاءات المرتبطة بالألعاب،
مع تجنب اللوائح الغامضة التي تخاطر بالرقابة المفرطة أو الإنفاذ التعسفي.
*سوميا أواستي (Soumya Awasthi) باحثة في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث (ORF)، وتتركز خبرتها في قضايا الأمن الاستراتيجي والتكنولوجيا.