علي الطالقاني*
*يجد المواطن نفسه محشوراً في زاوية: هل ينتقد الأداء السياسي أم يحترم الرمزية؟ هذا التردد هو ما يبطئ وتيرة التغيير الحقيقي.
* تحولت الرمزية إلى غطاء يحمي السلطة ويعطل المساءلة والإصلاح السياسي الحقيقي المستدام.
* يعيد الخطاب السياسي تفسير الإخفاقات كابتلاءات ومؤامرات لضمان استمرار الولاءات الشعبية السياسية.
* تكمن الأزمة في هيمنة الهويات الفرعية على الدولة وتراجع مفهوم المواطنة الجامعة الحديثة.
لفهم شفرة السياسة الفاشلة في إدارة أي دولة، لا يكفي الرجوع للدستور، أو قراءة أرقام الموازنات والمؤشرات الاقتصادية، فالصورة الحقيقية تتكشف في الشارع، وفي ساحات الاحتجاج، والمجالس العامة، ووسائل النقل، ومجالس العزاء، والأحاديث اليومية في المقاهي الشعبية.
هناك سنكتشف أن جوهر الأزمة يكمن في إدارة الهويات، والصراع على النفوذ والموارد، وفي العجز المستمر عن بناء دولة حديثة تتجاوز ثقل الانقسامات التاريخية والدينية والقومية..، وتحول المواطنة إلى المرجعية العليا للجميع.
في هذه الدولة، لا يستطيع السياسي أن يقف على مسافة محايدة من المجتمع، فهو أسير منظومة الانتماءات الفرعية، والطائفية، والحزبية، والعشائرية، والمناطقية، لذلك يظل في حالة استنفار لغوي دائم، يوظف مفردات مثل التكليف الشرعي، والاستحقاق، والمظلومية، والانتصار، لأنها الأكثر قدرة على تعبئة الجمهور وترسيخ الولاءات، فيما تظهر الكلمات الخطابية المزينة هي عملة صعبة يتداولها السياسي مع جمهوره، فالسياسي الذي يتحدث بلغة التكنوقراط الباردة قد يبدو غريباً، بينما ذاك الذي يربط خطابه بقضية مقدسة، أو هوية طائفية، أو قومية..، هو من يملك مفاتيح القلوب، وربما مفاتيح الصناديق.
هنا يكمن اللغز في كيف تحولت المحاصصة من مجرد آلية لتقاسم السلطة إلى نوع من العقد الاجتماعي القائم على حماية المصالح تحت غطاء معين، فالمواطن، وهو يراقب المشهد، غالباً ما يرى أن المسؤول جزء من منظومة مغطاة لا ينبغي المساس بها، بما يحقق له درعاً حامياً، إذ يجد دائماً مخرجاً يختبئ فيه خلف الرمزية.
ومن جهة أخرى، يجد المواطن نفسه محشوراً في زاوية: هل ينتقد الأداء السياسي أم يحترم الرمزية؟ هذا التردد هو ما يبطئ وتيرة التغيير الحقيقي.
كما أن مفهوم الصمود في هذه الدولة يتجاوز المعنى العسكري أو السياسي، إنها ثقافة الاستعداد للبلاء، فالسياسي يعرف جيداً أن جمهوره يقدر الصبر أكثر من الإنجاز السريع، وإذا ما تعثرت الخدمات أو تردى الوضع الاقتصادي، يعيد السياسي صياغة الهزيمة كأنها ابتلاء أو مؤامرة تستهدف قضيته.
هذه السردية هي التي تمنح الفاعلين السياسيين عمراً أطول بكثير مما تمنحه لهم نتائج أعمالهم على الأرض. لكن لا يصح أن ننسى أن هذه المنظومة في حالة غليان داخلي، فإن الشباب اليوم بدأ يفكك هذه الروابط، ولم تعد الشعارات صك غفران.
هناك جيل جديد يطالب بدولة تقوم على المواطنة، دولة تدار عبر المؤسسات والقانون، ولا تختلط فيها أدوار الديوان والعشيرة والدين أو المذهب او القومية بمؤسسات الدولة والبرلمان، وهذا الصراع ليس صراعاً بين مؤمنين وغير مؤمنين، وإنما هو صراع بين سياسة عتيقة تستخدم هذه المسميات كأداة، وبين رؤية جديدة تريد لهذه المسميات أن تبقى في قلوب الناس، وللدولة أن تعود لإدارة شؤون حياتهم.
إن السياسة في هذه الدولة هي حرفة توازن صعبة، والسياسي "الناجح" فيها هو الذي يمتلك مهارة التنقل بين العالمين، عالم الصفقات السياسية المعقدة، وعالم العواطف.
في النهاية، قد تبقى هذه الدولة لسنوات طويلة أسيرة هذه المعادلة المعقدة، فالدين والعشيرة والقومية لغات جامعة تخاطب وجدان شرائح واسعة من المجتمع، وإلى أن ينجح المجتمع في بناء لغة وطنية جديدة للحوار، تقوم على المواطنة والمصلحة العامة بعيداً عن الاستقطابات، سيظل الكرسي محاطاً بمنظومة معينة، فيما تظل الدولة تبحث عن توازنها الشاق بين تطلعات تعانق السماء وواقع لا يزال يثقل خطاه على الأرض.
*رئيس مجلس إدارة ملتقى النبأ للحوار