بقلم: ليزا فريدمان
تهدد الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط بزيادة الضغوط على قطاع الطاقة المنهك، الذي عانى بالفعل موجات من الاضطرابات، وقد تختبر قدرة السوق على الصمود، وهي قدرة بُنيت على سلسلة من الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها الحكومات والقطاع الخاص.
خلال عطلة نهاية الأسبوع، هاجم الحوثيين المدعومين من إيران مطارًا دوليًا في العاصمة السعودية الرياض، بما في ذلك ضربة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصًا وإصابة المئات. وكان هذا الهجوم الأكثر دموية في دولة عربية خليجية منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في فبراير/شباط، كما نقل الحرب إلى قلب صناعة النفط في الشرق الأوسط.
وأجبر الهجوم على تعليق العمليات في المطار مؤقتًا، في وقت كان من المقرر أن يصل فيه مسؤولون تنفيذيون في قطاع الطاقة ومسؤولون حكوميون إلى الرياض للمشاركة في مؤتمر رئيسي للأعمال والسياسات. وقد انعقد المؤتمر، وهو "المؤتمر العالمي للبترول"، وفقًا للخطة الموضوعة، رغم تحويل مسار بعض المشاركين إلى مطارات أخرى، فيما خاطب آخرون، بمن فيهم وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزراء من إيطاليا واليابان، المؤتمر عبر الاتصال المرئي.
وألغى كثير من قادة صناعة النفط، بمن فيهم الرؤساء التنفيذيون لشركتي إكسون موبيل وبي بي، رحلاتهم إلى السعودية، وفقًا لمسؤولين اثنين في القطاع لم يكن مخولًا لهما الحديث عن جداول أعمال المسؤولين التنفيذيين.
وفي تصريحات أدلى بها يوم الاثنين، أقرّ الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، بأن الهجمات الأخيرة "اختبرت بنيتنا التحتية ومؤسساتنا وقدرتنا على الصمود".
في غضون ذلك، تواجه ناقلات النفط مخاطر مستمرة أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز، وهو الممر الضيق بين إيران وعُمان الذي كان عبوره قبل الحرب رحلة تجارية بسيطة نسبيًا. وقد تعرضت 16 سفينة على الأقل لهجمات خلال هذا الشهر.
ويؤكد اتساع نطاق القتال بين السعودية وميليشيا الحوثيين في اليمن، في ظل غياب أي مؤشرات علنية على التوصل إلى تسوية دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، حجم التهديد القوي الذي تواجهه البنية التحتية للطاقة على جبهتين، في منطقة حيوية للإمدادات العالمية من النفط الخام ومشتقاته العديدة، مثل الديزل والبنزين.
في الشهر الماضي فقط، بدأت صادرات النفط من المنطقة ترتفع لتقترب من مستوياتها التي كانت عليها قبل الحرب. وتمكنت أعداد أكبر من السفن من مغادرة مضيق هرمز، بالقرب من الساحل العُماني، بفضل الحماية والإرشاد اللذين وفرتهما القوات الأمريكية.
ولم يتضح بعد ما إذا كانت الهجمات الأخيرة على ناقلات النفط حول المضيق ستؤدي إلى انخفاض ملحوظ في الصادرات، نتيجة تراجع مشغلي السفن عن المخاطرة. وبغض النظر عن ذلك، فإن الجهد العسكري الأمريكي عملية مكلفة، يقول الخبراء إنها لا يمكن أن تستمر إلى الأبد.
وقبل تعرض مطار الرياض للهجوم، كانت جماعات مدعومة من إيران في العراق قد استهدفت بالفعل خط أنابيب سعوديًا حيويًا، كانت المملكة تستخدمه لتصدير النفط بدلًا من نقله عبر مضيق هرمز.
وبصورة عامة، فإن تعافي صادرات النفط الخام يخفي وراءه عوامل معاكسة قد تُبقي الأسعار مرتفعة، وفقًا لما يقوله مسؤولون تنفيذيون في قطاع النفط ومحللون. وكان سعر النفط العالمي القياسي يتداول عند نحو 104 دولارات للبرميل يوم الاثنين، ارتفاعًا من أقل بقليل من 70 دولارًا عشية اندلاع الحرب.
وقال ديفيد ل. غولدوين، المبعوث السابق لوزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الطاقة: "نحن نعيش الآن في عالم طاقة تغيّر بصورة دائمة". وأضاف: "نحن ندخل عصرًا من انعدام الأمن المطوّل".
كما تتناقص الاحتياطيات العالمية من النفط الخام. وقد ساعد استخدام مخزونات النفط غير المكرر التي تحتفظ بها الدول المنتجة والحكومات على استقرار السوق. واجتمعت عشرات الدول في مارس/آذار لتنفيذ أكبر عملية منسقة على الإطلاق للإفراج عن المخزونات النفطية. لكن هذه الاحتياطيات بدأت تُظهر تأثيرًا محدودًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن القدرة العالمية على تكرير النفط تعمل عند أقصى طاقتها.
وأصبح سعر الديزل نقطة توتر عالمية. فالديزل ضروري للتجارة العالمية، وقد أدى نقص المصافي إلى ارتفاع سعره إلى مستويات قياسية في أجزاء كثيرة من العالم، بما فيها الولايات المتحدة. وفي مواجهة الضغوط السياسية، سمح الرئيس دونالد ترامب باستيراد الديزل من روسيا، في خطوة تقوّض العقوبات الأمريكية، ويقول الخبراء إن تأثيرها في الأسعار العالمية سيكون ضئيلًا.
وقال أمين ناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، شركة النفط الوطنية السعودية، خلال منتدى "إنتليجنس للطاقة" في لندن الأسبوع الماضي، إن الاحتياطيات العالمية وصلت إلى مستويات "منخفضة بصورة مقلقة".
وفي عامل آخر قد يشكل ضغطًا على سوق الطاقة، تظهر مؤشرات على أن الصين، أكبر مشترٍ للنفط في العالم، بدأت تعود إلى زيادة مشترياتها. ففي وقت سابق من الحرب، خفضت الصين وارداتها بصورة حادة، لتصل في أدنى مستوياتها إلى نحو 7.1 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بنحو 11.6 مليون برميل.
كما اختفى النفط الخام الإيراني تقريبًا من السوق منذ أن فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على صادرات البلاد، بعدما كانت الصين تستقبل في السابق 90 في المئة منه.
ويقول مسؤولون تنفيذيون في قطاع النفط إنهم يتوقعون استمرار الاضطرابات في سوق النفط حتى وقت متقدم من العام المقبل، وربما لفترة أطول.
وقال تنغكو محمد توفيق، الرئيس التنفيذي لشركة "بتروناس"، شركة النفط والغاز المملوكة للدولة في ماليزيا، الأسبوع الماضي: «أعتقد أن الفوضى ستستمر خلال معظم الفترة المتبقية من هذا العام، وربما حتى عام 2027».
لعقود طويلة، كان مضيق هرمز الطريق التجاري الأكثر فاعلية لنقل النفط الخام شرقًا عبر المحيط الهندي إلى الأسواق الآسيوية. وكانت دول مثل الكويت والعراق تستخدمه لتصدير جميع صادراتها النفطية تقريبًا، فيما كانت السعودية تستخدمه لنحو 80 في المئة من صادراتها.
وعندما أغلقت إيران المضيق فعليًا في مارس/آذار، اعتمدت السعودية، أكبر منتج للنفط في المنطقة، بدرجة كبيرة على منفذها الآخر إلى العالم، وهو البحر الأحمر. وكانت المملكة تنقل يوميًا ما بين أربعة وخمسة ملايين برميل من النفط عبر خط الأنابيب بين الشرق والغرب، البالغ طوله 720 ميلًا، لنقل النفط الخام من الحقول النفطية الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ومن هناك، كانت السفن تنقل النفط السعودي عبر مضيق باب المندب إلى آسيا.
وخلال الصيف، جعل الحوثيين هذا المسار خطيرًا عندما هددت بمنع أي سفن تحمل النفط السعودي من المرور فعليًا. ثم هاجم الحوثيون في سبتمبر/أيلول خط الأنابيب بين الشرق والغرب، ما أجبره على التوقف مؤقتًا.
وقال الشيخ نواف س. الصباح، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية: "في نهاية المطاف، لا يمكن لقدرة النظام الدولي على الصمود أن تستمر إلا لفترة محدودة، ونحن نقترب بسرعة من بلوغ هذا الحد".
وأوضح الصباح أن الكويت كانت تصدّر قبل الحرب نحو 2.6 مليون برميل يوميًا. وقد تعافى الإنتاج ليصل إلى نحو مليوني برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 75 في المئة من مستويات ما قبل الحرب، وذلك لأن مزيدًا من ناقلات النفط باتت مستعدة للمخاطرة بعبور مضيق هرمز.
ومن الأمور اللافتة أيضًا السرعة الكبيرة التي عملت بها السعودية لإصلاح خط الأنابيب بين الشرق والغرب بعد تعرضه للأضرار. وقال ناصر إن أرامكو شكّلت أكثر من عشرة فرق، يضم كل منها آلاف المتعاقدين والمهندسين، وتمكنت من إصلاح محطات الضخ خلال أيام.
ومع ذلك، لا تزال المنطقة معرضة للمخاطر بدرجة كبيرة.
وقال آرون برادي، نائب رئيس خدمات أسواق النفط والطاقة في شركة "إس آند بي غلوبال" للأبحاث، خلال إحاطة بشأن الطاقة نظمتها الشركة في لندن هذا الشهر: "لا يزال المنتجون بحاجة إلى مسار أكثر أمانًا، ويحتاجون إلى ناقلات نفط، كما يحتاجون إلى مشترين مستعدين لقبول المخاطر".
وأضاف برادي: "تخرج كميات كبيرة من النفط من الشرق الأوسط، لكن لم يعد هناك ذلك المسار البديل الآمن الذي كان متاحًا سابقًا".
وقال برادي إن الخلاصة تتمثل في أن النفط، رغم وصوله إلى الدول التي تحتاج إليه، أصبح يسلك طرقًا أكثر تعقيدًا، فيما تتواصل زيادة التكاليف. ووصف هذا النظام بأنه "مرتجل".
وأضاف: "تتحسن تدفقات النفط، لكنني لن أصف هذا بأنه نظام يعمل بصورة طبيعية".
*نييورك تايمز