بقلم: إميلي
فالك
الدكتورة فالك عالمة أعصاب وأستاذة في جامعة بنسلفانيا.
عندما عثرت
على دفاتر قديمة من أيام دراستي الثانوية، بينما كنت أساعد أمي في التخلص من
الفوضى في منزل طفولتي، أدركت أنه ينبغي لي رميها. فحتى لو أردت مراجعة تاريخ
أمريكا اللاتينية، لكانت تلك الدفاتر مصدراً غير مناسب لذلك. ومع هذا، لم أكن أرغب
في التخلي عنها.
يواجه كثير
منا الفوضى عندما يقومون بالتنظيف الربيعي، أو، وهو أمر أصعب بكثير، عندما
يتعاملون مع مقتنيات شخص عزيز متوفى. وينفق الأمريكيون مليارات الدولارات سنوياً
على التخزين، ويعيش كثير منهم في منازل تمتلئ أقبيةُها وعلّياتُها بالأغراض حتى
تكاد لا تتسع للمزيد. وبوصفي عالمة أعصاب أدرس كيفية اتخاذ الناس للقرارات، فقد
رأيت أيضاً أنه عندما تتوافر للناس الأدوات المناسبة، يمكنهم اختيار العمل مع
أنظمة الدماغ التي تنظّم عملية اتخاذ القرار، بدلاً من العمل ضدها، لمساعدة أنفسهم
على التخلي عن الأفكار والسلوكيات القديمة. إن معرفة كيفية عمل عقولنا هي الخطوة
الأولى لمواءمة قراراتنا مع أهدافنا وقيمنا.
ليس من غير
المنطقي أن يجد المرء صعوبة في التخلي عن الأشياء. فالأجزاء من أدمغتنا التي
تساعدنا على تحديد ما له قيمة تتداخل مع الأجزاء التي تتعقب ما نشعر بأنه يمثلنا.
ونتيجة لذلك، نشعر بأن ما نملكه جيد، ونرفع القيمة التي نمنحها للأشياء والأفكار
والسلوكيات التي تعود إلى ماضينا.
عادةً ما يمنح
الأشخاص الذين يُعطَون غرضاً ما قيمةً أكبر له من القيمة التي يمنحونها لغرض مشابه
لا يمتلكونه. ففي إحدى الدراسات، طُلب من المشاركين فرز الأشياء ووضعها في سلة ستكون
ملكاً لهم، وأخرى ستكون ملكاً لشخص آخر. وأدى وضع الأشياء في سلالهم الخاصة على
الفور إلى زيادة نشاط الدماغ في نظام إدراك الصلة بالذات، ثم تذكّر المشاركون تلك
الأشياء لاحقاً وفضّلوها على غيرها. وتساعد هذه الأبحاث على فهم سبب شعوري، عندما
أمسكت بدفاتري القديمة، بأنها أجزاء مني؛ أشياء ذات قيمة حقيقية لم أكن أرغب في
رميها.
في مثل هذه
اللحظات، يكون النفور من الخسارة قوياً. ففي الدراسات التي اتخذ فيها الناس قرارات
بشأن ما يشترونه وما يبيعونه، أظهر البائعون الذين واجهوا أكبر صعوبة في التخلي عن
مقتنياتهم أعلى مستويات النشاط الدماغي في المناطق المسؤولة عن معالجة الألم
والمخاطر والانتباه. ولهذا نتمسك بالموروثات العائلية، وكذلك بالسراويل التي لم
تعد تناسبنا، وأكوام أكواب السفر التي تملأ مخزن المؤن وتسبب الفوضى فيه.
يمكن للأشياء
أيضاً أن تتحول إلى إشارات تستثير الذكريات، فتُعيدها مؤقتاً إلى بؤرة الاهتمام.
وقد أشارت إحدى دراسات تصوير الدماغ إلى أن النسخ السابقة من ذواتنا تنضغط في
أذهاننا، على نحو يشبه الطريقة التي تبدو بها الأشياء البعيدة ضبابية في الأفق. إن
الإمساك بقبعة كنت تحبها في الماضي ينشّط ذكريات تلك النسخة السابقة من ذاتك،
ويخلق بوابة بين الشخص الذي أنت عليه الآن والشخص الذي كنت عليه ذات يوم. وبالنسبة
إليّ، يصعب التخلي عن الأشياء التي تمنحني هذا الشعور بالارتباط، مهما كان هذا
الارتباط واهياً.
ومع ذلك،
أخبرتني أبحاثي أن التمسك بأشياء مثل دفاتري القديمة كان نهجاً خاطئاً. يدرس
مختبري ما يحدث في أدمغة الناس عندما يتخذون القرارات، وكيف يمكننا الاستفادة من
هذا الفهم لتسهيل التغيير. ومن الطرق التي تجعل التغيير أسهل الانتقال من منظور
المالك إلى منظور المشتري. فبدلاً من أن تسأل: "هل أريد الاحتفاظ
بهذا؟"، اسأل: "هل سأشتري هذا اليوم؟". إن تعديل الإطار الذي نتخذ
القرارات ضمنه يسمح أيضاً بتغيير الحسابات العصبية في أنظمة المكافأة وإدراك الصلة
بالذات. وهكذا، يصبح إبريق الشاي شيئاً يمكنك أن تختار شراءه أو عدم شرائه، بدلاً
من أن يكون شيئاً تشعر بأنك على وشك خسارته.
وثمة طريقة
أخرى للنظر إلى الأشياء من منظور مختلف، وهي استعارة عيون شخص آخر. ففي الأبحاث
التي أجراها فريقي، عندما طلبنا من الناس تخيّل منظور شخص آخر، أدى ذلك إلى تغيير
سلوكهم ليصبح أكثر تشابهاً مع سلوك الشخص الذي تخيّلوه. وتُظهر صور الدماغ أن
تبنّي منظور شخص آخر يغيّر أيضاً استجابات أدمغتنا للمواقف غير السارة، بل ويمكن
أن يؤثر حتى في الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا. وعندما عرضت دفاتري القديمة على
شريكي، ذكّرني بأنه ليس متحمساً لتخزين أوراق قديمة تفوح منها رائحة العفن في قبو
منزلنا. فهو أقل تعلقاً بالماضي من الناحية العاطفية، لأن دماغه لا يتعامل مع
الدفاتر القديمة على أنها جزء مني، على خلاف ما يفعله دماغي.
وجد الباحثون
أن الأشخاص الذين يفرزون مقتنياتهم القديمة يصبحون أكثر استعداداً للتخلي عن غرض
ما إذا جرى توجيههم إلى التقاط صورة له للاحتفاظ بذكراه. ففي إحدى الدراسات،
جُهّزت مجموعتان من غرف السكن الجامعي بملصقات تشجع الطلاب على التبرع بالأغراض
التي لا يريدونها. وشجعت إحدى مجموعتي الملصقات الطلاب أيضاً على التقاط صور
للأغراض قبل التبرع بها. وسجّلت المساكن التي وُضعت فيها الملصقات التي تقترح
التقاط الصور زيادة بنسبة 15 في المئة في التبرعات.
بالنسبة إليّ،
ليس الهدف هو التخلص من كل شيء على الإطلاق، بل أن أفهم بوضوح أسباب اختياري
الاحتفاظ بالأشياء، وأن أصبح أكثر قصداً ووعياً في اتخاذ تلك القرارات. وتوثّق
الأبحاث ميل الدماغ إلى إعطاء الأولوية للمكافآت الفورية، لذا فإن معرفة كيفية جعل
عملية التغيير تبدو أكثر إرضاءً أمر بالغ الأهمية.
إن تخصيص لحظة
للتواصل مع الآخرين هو إحدى الطرق لتنشيط أنظمة المكافأة في الدماغ. وأنا أحرص على
التفاعل بحماس مع صورة لصناديق تبرعات يبلغ عددها تسعة، وقد جُهّزت للتبرع بها
ووُضعت على شرفة منزل أحد أصدقائي، لأنني أعلم أن الاستجابات الاجتماعية الإيجابية
يمكن أن تمنحها الدافع للاستمرار. كما يساعدنا التواصل مع الآخرين على التعامل مع
التوتر. فعندما عثرت على دمية قديمة تعود إلى أم أحد أصدقائي، التي كانت تجمع
الدمى عندما كانت على قيد الحياة، أرسلت إليه رسالة نصية. فقال لي: «لقد كانت تحبك
كثيراً، وكانت الدمى تعني لها العالم كله»، وأضاف: «لديّ أنا أيضاً دمية مخيفة في
منزلي». ويمكن أن تساعدنا أيضاً نصيحة شخص يمر بالظروف نفسها على فعل الشيء الصحيح
بأنفسنا. فعندما أرفع الأشياء أمام أمي لتصويرها، وأسألها عمّا إذا كانت ستشتريها
اليوم، أو كيف يمكن لمراقب محايد أن ينظر إليها، فإن هذه الأسئلة تذكّرني أنا
أيضاً بالأدوات التي أحتاج إليها.
ويجب علينا
أيضاً أن ندرك كيف أسهمت البيئة التي نعيش فيها في وصولنا إلى هذه الحال. فقد
خدعتنا الإعلانات الموجّهة المنتشرة في كل مكان، وسهولة الشراء التي لا تعترضها أي
عقبات، وانخفاض تكاليف التصنيع، ودَفعتنا إلى تجميع أشياء تفوق بكثير ما نحتاج
إليه. وإذا أردنا تجنّب ألم التخلص من الفوضى في وقت لاحق، فيمكننا أيضاً أن نزيل
بصورة فاعلة التقنيات التي تدفعنا إلى التكديس منذ البداية.
ليس التخلي عن
الأشياء صعباً لأنها ثمينة للغاية في حد ذاتها، وفقاً لمعايير موضوعية، بل لأنه
صعب لأن الدماغ يرى فيه تغييراً في هويتنا، ويقاوم ذلك. وينطبق الأمر نفسه على
أفكارنا وسلوكياتنا القديمة. لكن إذا تراجعنا خطوة إلى الوراء، واستخدمنا خيالنا
وقدرتنا على التواصل مع الآخرين للنظر إلى المشكلة من زاوية جديدة، فبإمكاننا
التخلي، بوعي أكبر وقصد أوضح، عن الأشياء التي لم تعد تخدمنا، من دون أن نفقد جوهر
هويتنا.
المصدر نييورك
تايمز