*ليست كل لحظة سياسية عابرة، فبعضها
يعيد رسم ملامح الدولة.
*كل تحول كبير يبدأ بسؤال واحد: هل
تتغير المنظومة أم تتغير الوجوه فقط؟
*ما يحدث اليوم يتعلق باختبار لقدرة
الدولة على التغيير.
يمر العراق اليوم بمرحلة مفصلية تتداخل
فيها جهود مكافحة الفساد مع تعقيدات التوازنات السياسية والإقليمية والجمود الذي
يطبع مؤسسات الدولة، فان التحدي يمتد إلى بنية نظام سياسي أثبت خلال السنوات
الماضية محدودية قدرته على الإصلاح الذاتي أو التطور الطوعي.
وفي هذا السياق، تأتي حملة الاعتقالات
الأخيرة بحق شخصيات متهمة بالفساد وسط ترقب شعبي وسياسي واسع، في مشهد لا يمكن
فصله عن تجارب الإصلاح السابقة ولا عن التحولات التي تشهدها المنطقة. ومن هنا،
تبدو الحاجة ملحة إلى استراتيجية تغيير مزدوجة، تقوم على بناء بديل مؤسساتي تدريجي
ومتراكم، مع الاستعداد لاستثمار اللحظات السياسية المفصلية لإحداث إصلاحات هيكلية
تعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط.
الدولة العراقية تحاول اليوم إعادة ضبط
بوصلتها، لكن السؤال الجوهري يظل: هل نحن أمام عملية جراحية لاستئصال الفساد من
جذوره، أم أننا بصدد تدوير الأزمات في قالب جديد؟
نبض الشارع وذاكرة الترقب
ينظر الشارع العراقي إلى الحملة
الحالية بعين الحذر، فبعد صدمات احتجاجات تشرين وما تلاها من وعود إصلاحية لم تترجم
إلى واقع ملموس، أصبح المواطن أكثر تشكيكاً في الشعارات.
الشارع لا يصفق للاعتقالات الأولية، وينتظر
نتائج قضائية فعلية، فإن الفجوة بين وعود الحكومة وتجارب المواطن السابقة تجعل ثقة
الجمهور معلقة بمدى قدرة الدولة على تقديم رؤوس كبيرة للقضاء، وليس الاكتفاء بصغار
الموظفين لامتصاص الغضب.
إن التوصيف الأدق للحالة العراقية هو الجمود
المؤسساتي فإن نظام المحاصصة أكثر من مجرد توزيع
مناصب، فهو نظام أمان للأحزاب، وفي العراق، تحولت الدولة إلى أكبر رب عمل، حيث يتم
تبادل الولاء بالوظائف والمنافع.
هذا الجمود يجعل من الصعب إجراء أي
إصلاح إداري أو تقني مثل الأتمتة لأنه يهدد القاعدة الشعبية للأحزاب التي تعتمد
على التوظيف السياسي، لذا نحن أمام نظام صُمم ليعيد إنتاج نفسه، حيث يتم امتصاص أي
محاولة لضخ دماء جديدة وتحويلها لتخدم مصالح المنظومة القائمة، لا لتغييرها.
الاقتصاد، السلاح المنفلت، والانتخابات
ولا يمكن فصل الإصلاح عن نفوذ السلاح
المنفلت وعلاقته بالدولة، فأي إجراء يُفهم على أنه استهداف لمراكز النفوذ يضع
الحكومة أمام اختبارات صعبة، وفي ظل حالة إعادة ترتيب المشهد السياسي، تبرز حملة
مكافحة الفساد بوصفها أحد العوامل المؤثرة في موازين القوى، إذ تستخدم ملفات
الفساد أحياناً لإضعاف الخصوم أو تعزيز مواقع أطراف أخرى داخل النظام السياسي.
اقتصادياً، فإن نجاح مكافحة الفساد يتعلق
بالدرجة الأساس بقدرة الدولة على تقليل هدر المال العام وتحسين بيئة الأعمال وجذب
الاستثمار، وهو ما يظل هدفاً بعيد المنال في ظل اقتصاد الظل المرتبط بالولاءات
السياسية.
من جانب آخر تتسم الدبلوماسية العراقية
اليوم بمحاولة الموازنة الصعبة، فبدلاً من الارتهان لضغوط طرف دون آخر، تسعى الحكومة
للعب دور الوسيط الإقليمي بين واشنطن وطهران وأطراف إقليمية أخرى.
هذا الدور، وإن كان يمنح بغداد هامشاً
من الحركة، إلا أنه مرهون بمدى استقرار الجبهة الداخلية. وهنا نلاحظ أن المجتمع
الدولي، غالباً ما يفضل إدارة الاستقرار على المخاطرة بالتغيير، مما يجعل النخب
التقليدية تستثمر في هذا التردد للحفاظ على مكتسباتها.
سيناريوهات المسار القادم
يمكننا رصد أربعة سيناريوهات تحكم
مستقبل هذه الحملة:
- الاستقرار عبر الإصلاح، وهذا السيناريو
هو طموح تتحول فيه الحملة إلى مؤسساتية دائمة، مما يؤدي إلى استقرار طويل الأمد،
لكنه يصطدم بواقع نظام المحاصصة الراسخ.
- الصدام والمواجهة، سيناريوم آخر في حال
مست الحملة الخطوط الحمراء للقوى المهيمنة، فقد تتحول الدولة إلى ساحة صراع مفتوح
تعيق عمل المؤسسات.
- وهناك سيناريو التوازن الهش وهو بقاء
الأوضاع كما هي مع تضحيات محدودة بشخصيات ثانوية لامتصاص الغضب، دون المساس
بالبنية العميقة للفساد.
- يبقى الإصلاح الانتقائي بما يعني استمرار الحملة ضد أطراف معينة
واستثناء أخرى، مما يحقق مكاسب إعلامية شعبوية دون إحداث تغيير هيكلي، وهو
السيناريو الذي يحافظ على توازنات النظام القائمة.
كيف نحكم على النجاح؟
المعيار الحقيقي لنجاح الحملة يعتمد على
مؤشرات دقيقة:
أولا. الاستقلالية القضائية من خلال صدور
أحكام قطعية ونهائية بعيداً عن الضغوط السياسية.
ثانيا. استرداد الأموال وهذا يعتمد على
نجاح الدولة في إعادة المليارات المنهوبة إلى خزينة الدولة.
ثالثا. تفكيك
شبكات الفساد داخل المؤسسات، وليس فقط إزاحة الأفراد.
رابعا. الارتقاء بمؤشرات الشفافية التي تحسن ترتيب العراق في مؤشرات الشفافية الدولية.
في الختام، نصل إلى قناعة بأن الرهان
على المسار الواحد سواء كان التراكم الإصلاحي البطيء أو الصدمة السياسية الكبرى يظل
رهاناً غير مكتمل، فإن العراق اليوم بحاجة إلى استراتيجية التغيير المزدوج والسريع
والدقيق ودون تماهل.
فالصدمة السياسية، مهما كان مصدرها، هي
المحفز الضروري لكسر الجمود المؤسساتي وفتح نوافذ الفرص التي تغلقها المنظومات
التقليدية. لكن، دون تراكم إصلاحي، تظل الصدمة مجرد لحظة عابرة قد تعقبها فوضى أو
إعادة إنتاج لنفس القوى القديمة بأقنعة جديدة. وبالمقابل، فإن التراكم الإصلاحي
الهادئ، رغم أهميته، قد يظل حبيس هوامش النظام ما لم تأت لحظة مفصلية تدفع بالبديل
نحو مراكز القرار.
التحدي الحقيقي ليس في انتظار لحظة
التحول وحدها وانما في الاستعداد لها من خلال بناء بديل وطني كفؤ يمتلك الرؤية
والقدرة على إدارة الدولة، وعندما تفرض الأحداث لحظة تاريخية مفصلية، يصبح هذا
البديل قادراً على تحويل الطاقات الكامنة إلى قوة تغيير حقيقية، بدلاً من أن تتبدد
في دوامة الأزمات أو تنتهي بإعادة إنتاج الواقع نفسه.
فنجاح أي لحظة تحول يبقى مرهوناً بوجود
مؤسسات راسخة تعي بأن الفساد أكثر كلفة من النزاهة، وتحافظ على استقرار قواعد
الدولة، بحيث لا يؤدي تغيير الحكومات، مهما اختلفت توجهاتها، إلى تغيير أسس الدولة
أو تعطيل مؤسساتها، وعندها فقط يمكن للعراق أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة
الحلول.
رؤية مستقبلية
برغم تعقيدات المشهد، فإن العراق يمتلك
اليوم فرصة قد لا تتكرر إذا ما أُحسن استثمارها. فالتراكم التدريجي في الوعي
المجتمعي، واتساع المطالبة الشعبية بالحكم الرشيد، ووجود جيل جديد أكثر اهتماماً
بالكفاءة والمساءلة، كلها عوامل يمكن أن تشكل قاعدة حقيقية لإصلاح مستدام.
وأن امتلاك العراق لموارد مالية وبشرية
كبيرة، وموقع جيوسياسي يمنحه هامشاً للحركة، يجعلان من الإصلاح خياراً ممكناً، فان
فالدول لا تتغير دفعة واحدة، وإنما عبر تراكم خطوات صغيرة تتوجها لحظات حاسمة من
القرار السياسي.
وإذا نجحت الدولة في تحويل حملة مكافحة
الفساد من حدث استثنائي إلى سياسة مؤسساتية دائمة، فإنها تستعيد ثقة المواطن وتؤسس
لمرحلة جديدة يكون فيها القانون هو الضامن الوحيد للعلاقة بين الدولة والمجتمع،
بعيداً عن منطق المحاصصة والولاءات الضيقة.
*رئيس مجلس إدارة ملتقى النبأ للحوار