* العدالة هي المعيار الذي يمنح المؤسسات شرعيتها ويحول القانون إلى قناعة راسخة للمواطن.
* بناء الدولة يبدأ بإقناع المواطن بأن القانون يحميه ويطبق على الجميع بمعيار واحد.
* أخطر ما خلفته عقود الأزمات هو اعتياد المجتمع على التعايش مع الفساد.
* إصلاح السلوك العام يتحقق ببناء مؤسسات عادلة تجعل احترام القانون أكثر جدوى دائماً.
على مدى أكثر من عقدين، أطلقت مبادرات للإصلاح الإداري والاقتصادي، وأقرت تشريعات لمكافحة الفساد، وأعدت برامج لتطوير مؤسسات الدولة، إلا أن النتائج بقيت دون مستوى التحديات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لماذا تتعثر هذه المشاريع كلما اقتربت من التطبيق؟
لا يختلف هذا التحدي عما تشير إليه الأدبيات الحديثة في الحوكمة العامة مثل هيئة النزاهة الاتحادية، وديوان الرقابة المالية الاتحادي، ولجنة مكافحة الفساد، وتقارير البنك الدولي (World Bank)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والتي تؤكد جميعها أن نجاح الإصلاح يقاس بقدرة المؤسسات على تنفيذ القوانين، ومستوى الثقة التي تتمتع بها لدى المواطنين.
إن معظم محاولات الإصلاح انشغلت بإعادة تنظيم المؤسسات، بينما بقيت العلاقة بين الدولة والمجتمع على حالها، فان المشكلة ليست في النصوص القانونية بحد ذاتها، وإنما في غياب عقد اجتماعي يعيد بناء الثقة، ويحول القانون من وثيقة رسمية إلى قاعدة تحكم السلوك العام.
إصلاح متعثر
خلال سنوات طويلة من الأزمات، تراجعت ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، ولم تعد الأخيرة تنظر إليها دائماً باعتبارها الضامن الأول للحقوق، وتؤكد استطلاعات عديدة ومؤشرات خلال السنوات الأخيرة أن ضعف الثقة بالمؤسسات العامة ما يزال يمثل أحد أبرز التحديات أمام ترسيخ الاستقرار السياسي والإداري، وهو ما ينعكس في تصاعد المطالب بالإصلاح وتعزيز سيادة القانون.
مع هذا التراجع، برزت الولاءات الفرعية (العشائرية، الحزبية، والمناطقية) بوصفها شبكات حماية بديلة، كما لم يعد اللجوء إلى "الواسطة" استثناء، حيث أصبح في نظر كثيرين الوسيلة الأسرع لإنجاز المعاملات.
ومن هنا، فإن استعادة الدولة تبدأ بإعادة بناء هذه الثقة، لأن الإصلاح لا ينجح عندما يشعر المواطن بأن القانون يطبق بصورة انتقائية، أو أن الوصول إلى الحقوق يعتمد على العلاقات الشخصية.
ان أخطر ما خلفته عقود الأزمات وبشكل أكثر من الفساد اعتياد المجتمع على التعايش معه، فالرشوة تحولت في بعض البيئات إلى حل عملي، كما يكون الالتفاف على الإجراءات نوعاً من الذكاء الاجتماعي، كوهذا لا يعني تحميل المجتمع وحده المسؤولية، فالسلوك العام يتشكل بفعل سياسات عامة تكرس الإفلات من العقاب.
ولذا، فإن إصلاح السلوك العام يتحقق ببناء مؤسسات عادلة تجعل احترام القانون أكثر جدوى من مخالفته.
إن الإصلاح يصبح أكثر استدامة عندما يتحول المواطن إلى طرف فاعل في حماية المال العام، وان المواطنة في جوهرها علاقة متوازنة بين الحقوق والواجبات، حيث لا يمكن للدولة أن تطالب بالالتزام بالقانون دون أن توفر العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، وإن بناء هذه الشراكة هو المدخل الحقيقي لإعادة ترميم العقد الاجتماعي.
ونشير الى صعوبة ترسيخ مفهوم المواطنة في ظل اقتصاد ريعي يجعل الدولة أكبر رب عمل ومصدر للدخل، فان هذا النموذج يعزز أنماط الاعتماد على الدولة ويحد من ديناميكية الاقتصاد المنتج. فكلما توسعت فرص الاستثمار ودُعم القطاع الخاص، ازدادت استقلالية المواطن الاقتصادية، وتراجعت حاجته لشبكات النفوذ والوساطة للحصول على فرصة عمل، مما يجعله أكثر قدرة على ممارسة دوره في المساءلة السياسية.
المواطن اليوم ينظر الى نجاح الإصلاح بمدى شعوره بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وعندما يرى المواطن أن الفاسد يُحاسب، وأن الفرص تُمنح على أساس الكفاءة، يستعيد ثقته بالدولة. لذا، فالعدالة هي المعيار الذي يمنح المؤسسات شرعيتها، ويحول احترام القانون من التزام مفروض إلى قناعة راسخة.
وكثيرا ما يقدم الإصلاح بوصفه استجابة لضغوط خارجية، بينما الحقيقة أن الدولة التي تعجز عن إصلاح نفسها تظل هشة ومكشوفة، فالإصلاح الحقيقي هو قرار سيادي بامتياز، وهو الدرع الذي يحمي الدولة من التدخلات، وان الدولة التي تمتلك مؤسسات فعالة وقضاءً مستقلاً تكون أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني.
إن بناء الدولة يبدأ بإقناع المواطن بأن القانون يحميه ويطبق عليه وعلى غيره بالمعيار نفسه، وعندما تصبح العدالة قاعدة، والشفافية ممارسة، والمواطنة شراكة حقيقية، يتحول الإصلاح من مشروع حكومي مؤقت إلى مشروع وطني مستدام تتبناه الدولة والمجتمع معاً. فالدول حين يؤمن مواطنوها بأن احترام القانون هو الطريق الأقصر لحماية حقوقهم ومستقبلهم، وأن الدولة ليست خصماً لهم، وانها الإطار الجامع الذي يصون حرياتهم ويضمن استقرارهم.
* علي الطالقاني، رئيس مجلس إدارة ملتقى النبأ للحوار
كيف يبتلع الفساد مؤسسات الدولة ويختطف المواطنة؟
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!