ياسمين فاروق*
مع اندلاع
الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج مرة أخرى، قد يستدعي إطار
عمل جديد لحماية السلام في المنطقة اهتماماً أقرب. إن ظهور "الدول الأربع
الإقليمية"، أو ما تسميه السعودية وباكستان ومصر وتركيا تكتلهم الناشئ بـ (R4)، يعكس إدراكاً
مُكتَسَباً بصعوبة بين هذه الدول الأربع: وهو أن الأمن في جوارها لم يعد من الممكن
تركُهُ تحت رحمة التنافس بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة
أخرى. لقد توصل العديد من المسؤولين في هذه الدول إلى هذا الاستنتاج قبل أن تشن
الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران في أواخر شهر فبراير/شباط. غير أن
الحرب وما تلاها من رد إيراني، شمل هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة على دول الخليج
العربية وإغلاق مضيق هرمز، قد أضفى على هذا الإدراك زخماً جديداً وعاجلاً.
ولا تملك جميع
الدول الأعضاء نفس الرؤية لمستقبل مجموعة الـ (R4). فبعض مسؤولي المجموعة يتحدثون عنها
بوصفها النواة غير الرسمية لتكتل أوسع نطاقاً يستند إلى قواعد تنطبق على الجميع،
بدلاً من الهيمنة القسرية التي تمارسها أي قوة أو محور مفرد. بينما يستحضر آخرون
إطاراً أكثر تواضعاً يمكن أن يساعد في التنسيق حسب كل حالة على حدة. وبغض النظر عن
ذلك، فإن التكتل يمتلك القدرة على إعادة صياغة النظام الإقليمي، وإن كان ذلك
تدريجياً، حيث يتمثل الاختبار الأول في معرفة ما إذا كان بإمكانه المساعدة في
إحداث نتيجة مستقرة للحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران.
وما إذا كان هذا
التكتل قادراً على مواجهة ذلك التحدي سيعتمد على الإجابات عن عدة أسئلة: هل تستطيع
مجموعة الـ
(R4) التوفيق
بين التصورات المختلفة لأعضائها تجاه التهديد؟ وهل يستطيع هؤلاء الأعضاء الحفاظ
على علاقاتهم الخاصة مع واشنطن دون الوقوع ضحيةً لمطالبها؟ والأكثر إلحاحاً، هل
يستطيع التكتل التوصل إلى تفاهم مع إيران يطمئن دول الخليج – التي تحملت عبء
الضربات الانتقامية الإيرانية – حتى لو كانت التسوية الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية
النهائية تعامل مخاوفها باستهانة؟
كيف تشكلت
مجموعة الـ
(R4)؟
كانت اللبنات
الأساسية لتكتل الـ (R4) قائمة منذ ما يقرب من عام. ففي الفترة ما بين حرب الأيام ال اثني عشر
في شهر يونيو/حزيران 2025 وأحدث حروب المنطقة التي بدأت في 28 فبراير/شباط، كانت
مصر والسعودية وتركيا وباكستان تنسق بشكل متكرر بشأن مواضيع مختلفة، بما في ذلك
قطاع غزة، والقرن الأفريقي، والدفاع المشترك، على خلفية الحملات العسكرية
الإسرائيلية المستمرة في الشرق الأوسط، فضلاً عن الصدع الناشئ بين المملكة العربية
السعوديةو دولة الإمارات العربية المتحدة.
حاولت الدول
الأربع جميعها تخفيف التوترات الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية التي استمرت بعد
حرب الأيام الاثني عشر. ففي 9 سبتمبر/أيلول 2025، ساعدت مصر في التوسط لبروز اتفاق
بين إيرانو الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن
استعادة بروتوكولات التفتيش النووي. وعرضت تركيا ترتيب مكالمة بين الرئيسين
الأمريكي والإيراني، فضلاً عن استضافة محادثات حول قضايا إقليمية بالتوازي مع
المفاوضات النووية التي بدأت أوائل فبراير/شباط التالي. أما باكستان، المرتبطة
بالسعودية بميثاق دفاع مشترَك جديد وقَّعته في سبتمبر/أيلول 2025، فقد دُعِيَت إلى
الاجتماع المقترح في إسطنبول. وأخيراً، أشارت المملكة العربية السعودية إلى أنها
منفتحة على مقترحات تتعلق بالتعاون النووي الإقليمي، والتي سيكون لكل من طهران
والرياض فيها حقوق مكافئة لتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.
إن الهجوم
الإسرائيلي على قطر في 9 سبتمبر/أيلول 2025 والذي استهدف أعضاء قيادة حماس، قد
سرّع الديناميكيات رباعية الأطراف. وبعد أسبوع، أعلنت الرياض عن ميثاق الدفاع
الباكستاني المذكور أعلاه، مصحوباً برسائل توضح بجلاء أنه كان مدفوعاً بالقلق ليس
فقط إزاء سلوك إسرائيل، بل وأيضاً إزاء الرد الإيراني على الهجمات
الأمريكية-الإسرائيلية المتجددة إذا فشلت الدبلوماسية. وفي الشهر التالي، أي في
يناير/كانون الثاني، أكد وزير الدفاع الباكستاني ووزير الخارجية التركي أن محادثات
جرت بشأن إبرام اتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان. وفي فبراير/شباط، وقّعت تركيا
اتفاقية إطار عسكري رسمية مع مصر، وطوّرت فهماً مشتركاً لتصنيع الطيران والفضاء مع
السعودية.
كما تكاتفت
الدول الأربع لوقف حرب إسرائيل في غزة. وانضمت الدول الأربع جميعها إلى إندونيسيا
والإمارات العربية المتحدة وقطر والأردن، من بين دول أخرى، فيما أصبح يُعرف باسم
"مجموعة الثماني"، والتي اجتمعت مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 23
سبتمبر/أيلول 2025 للضغط من أجل وقف إطلاق النار في غزة. وأصبحت الدول الأربع
لاحقاً أعضاء في "مجلس السلام" التابع لترامب، لتحقيق ثلاثة أهداف:
إبقاء إدارته منخرطة في الجهود الرامية لإنهاء صراع غزة، والذي اعتبروه السبيل
الوحيد لممارسة الضغط اللازم على إسرائيل؛ والبقاء في دائرة الرضا للرئيس
الأمريكي؛ ومواجهة التهديدات الإسرائيلية لأمنهم القومي.
تركيز الأذهان
ثم جاء الهجوم
الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، وما أعقبه من قصف بالمسيرات والصواريخ من جانب طهران
رداً على ذلك، مما ركّز الأذهان في جميع عواصم مجموعة الـ (R4). لقد أدى نطاق الرد الإيراني إلى تحطيم
الثقة المحدودة التي تم بناؤها خلال عامين من الانفراجة في الخليج. كما كشف عن
قصور الدبلوماسية الخليجية البحتة مع إيران عندما لا تكون الأطراف المهتمة الأخرى
– وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ولكن إلى حد ما الصين أيضاً، وعلى الأقل فيما
يتعلق بالعمل العسكري إسرائيل – عرضةً بشكل كافٍ للتأثير الخليجي. ومع تباين وجهات
النظر بين دول الخليج حول كيفية الرد على أفعال إيران، بدأ نمط غير رسمي يضم دولاً
كانت تلك الدول تعتبرها في السابق دخيلة يكتسب زخماً في العواصم الخليجية الأكثر
انفتاحاً على وقف إطلاق النار. وقد تبلور هذا النمط عندما دعت المملكة العربية
السعودية إلى عقد اجتماع وزاري رباعي في الرياض في 18 مارس/آذار، على هامش تجمع
يضم اثنتي عشرة دولة – ثماني منها تعرضت للهجوم من إيران – مع انفجار الصواريخ
الإيرانية في الأفق البعيد. وكانت الاستراتيجية السعودية تتمثل في تحفيز الدعم
الإقليمي وسط حرب لمستطاعها إيقافها، على الرغم من علاقاتها الوثيقة بالولايات
المتحدة، والتي كانت تدفع ثمنها الآن، على الرغم من دبلوماسيتها المتجددة مع
إيران. وكان لدى دول الـ (R4) الأخرى دوافعها الخاصة: فقد كانت قلقة بشأن التداعيات الإقليمية
للحرب واحتمال تورطها فيها.
وقد عززت
اجتماعات المتابعة في إسلام آباد يوم 26 مارس/آذار، وفي أنطاليا يوم 18
أبريل/نيسان، بالإضافة إلى اجتماع لكبار المسؤولين في 14 أبريل/نيسان، هذا
التنسيق، حتى مع استمرار الدول الأربع في التصرف كأعضاء في تجمعات أكبر مؤقتة حسب
الحاجة. وإلى جانب قطر والصين، ساعدت الدول الأربع في هندسة وقف إطلاق النار في 8
أبريل/نيسان بين الولايات المتحدة وإيران، وهو تهدئة مرحب بها للغاية بالنظر إلى
تهديد الرئيس ترامب في اليوم السابق بأن "حضارة بأكملها على وشك الموت
الليلة" وتحذير طهران من أنها ستوسع الضربات الانتقامية ضد البنية التحتية
الحيوية في الخليج.
واجتمعت مجموعة
الـ
(R4) للمرة
الرابعة في القاهرة في 21 يونيو/حزيران، بعد سبعة أيام من توحيد الولايات المتحدة
وإيران لوقف إطلاق النار (الآخذ في الانهيار الآن) في مذكرة تفاهم، وبينما كان
الجانبان يجتمعان في لوزان بسويسرا. وفي اجتماع القاهرة، اعتمد المسؤولون رسمياً
تسمية
(R4)،
وفي بيانهم المشترك الأول، رحبوا بالمذكرة، وأشادوا بجهود الوساطة الباكستانية
والقطرية، وأكدوا على أن ترتيبات الأمن تحتاج إلى معالجة مخاوف دول الخليج وبلاد
الشام، وأعادوا تأكيد "مركزية القضية الفلسطينية لتحقيق السلام والاستقرار في
المنطقة". وعشية هذا الاجتماع، اجتمع ثلاثة من أعضاء الـ (R4)، وهم مصر وتركيا
والسعودية، مع مساد بولس، المستشار الأمريكي الكبير للشؤون العربية والأفريقية،
لمناقشة التطورات السياسية في ليبيا؛ ويُقال إن باكستان شاركت من جهتها في جهود
الوساطة في ذلك البلد. كما زاد أعضاء مجموعة الـ (R4)، لا سيما مصر وتركيا والسعودية، من التنسيق
إزاء نزاعات القرن الأفريقي في الأشهر الأخيرة.
ليست كتلة، بل
إطار عمل
يُقدّم أعضاء
مجموعة الـ
(R4) المجموعة
كمنتدى تشاوري غير رسمي للدول القلقة من اتساع نطاق الحروب في الشرق الأوسط
الأكبر. والنتيجة المنطقية لذلك هي أنه على الرغم من أهميتها التي لا غنى عنها، لم
يعد من الممكن الاعتماد على الولايات المتحدة لصنع السلام في المنطقة، مما يعني
أنه يجب على دول الجوار تولي هذه الراية بأنفسها. ويرى أعضاء مجموعة الـ (R4) أن كلا التصرفين الإيراني والإسرائيلي
يمثلان تهديداً، وإن كانا يمثلان مستويات متباينة من التهديد الفوري لكل عضو.
لكن مسؤولي
المجموعة أوضحوا لـ "مجموعة الأزمات" (Crisis Group) أنهم لا يرغبون في تحديد أي دولة كخصم؛
بل يفضلون تأطير جهودهم كدعوة لجميع الدول للالتزام بالمعايير المشتركة التي ستدعم
هيكلاً أمنياً إقليمياً أكثر استقراراً. وتشمل هذه المعايير: حل الدولتين في
إسرائيل وفلسطين؛ واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها؛ ووضع حد لدعم الدولة
للميليشيات؛ والالتزام بالتخلي عن استخدام القوة نيابة عن أجندات التوسع أو إظهار
القوة. ومن وجهة نظرهم، يمكن لدول أخرى الانضمام إلى منتداهم – بما في ذلك إيران
وإسرائيل في نهاية المطاف.
ويقول مسؤولو
الـ
(R4) إن
المجموعة تشكلت بشكل عضوي مع تحسن العلاقات بين الدول الأربع على مدار السنوات
الخمس الماضية. فقد كانت الدول الأربع جميعها منخرطة في عمليات مصالحة مختلفة،
مدفوعة بنظام إقليمي متداعٍ هدد أمنها وأوقعها في مواجهة بعضها البعض، فضلاً عن تصاعد
العدوانية الإسرائيلية، لا سيما حربها المدمرة في غزة، والتي يعتبرونها بمثابة
إبادة جماعية.
ولا يرى الجميع
مجموعة الـ
(R4) بمثل
هذا المخلوق الظرفي. فقد صوّرها العديد من المعلقين والمسؤولين الإسرائيليين
والأمريكيين، بالتناوب، على أنها كتلة من الدول السنية المعارضة لإسرائيل أو
المعارضة لإسرائيل والإمارات. وبالمثل، أطلق عليها عدد من المحللين الإيرانيين وصف
المشروع السني، رغم تجنبهم، في الوقت الحالي، الادعاء بأنه معادي لإيران. ويرفض
أعضاء الـ
(R4) جميع
تلك الأطر، متمسكين بإطارهم الخاص.
ولا يستلزم
التنسيق بين أعضاء الـ (R4) تطابقاً كاملاً للمصالح. فقد سارت مصر وتركيا وباكستان على حبل مشدود
خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران: حيث سعوا إلى تجنب التورط، حتى في
الوقت الذي دعم فيه كل من مصر وباكستان السعودية ضد الهجوم الإيراني، وحتى في الوقت
الذي أعطت فيه الرياض فرصة للدبلوماسية على مضض لإنهاء الحرب. وواصلت مصر وتركيا السير
بحذر شديد حول الصدع السعودي-الإماراتي، مع الحرص على عدم الانحياز لأي طرف. وفيما
يتعلق بسوريا، فإن السعودية وتركيا مستثمرتان بشدة في دعم الحكومة الجديدة، بينما
تظل مصر حذرة من خلفيتها الإسلامية المتشددة. وفي البحر الأحمر، تتفق مصر
والسعودية على أن الأمن يجب أن يكون من اختصاص جميع الدول المطلة عليه، حتى في
الوقت الذي تتنافسان فيه على قيادة مجلس البحر الأحمر؛ وتعمل كلتاهما مع تركيا في
أوقات وتراها منافساً في أوقات أخرى. وقد تنظر كل دولة من الدول الأربع إلى نفسها
على أنها مهمة بالقدر الكافي لقيادة المجموعة. ومع ذلك، فقد نجحت مجموعة الـ (R4) حتى الآن في توجيه التنافس بين أعضائها
إلى إطار للتشاور، والتنسيق بشكل متزايد.
البداية من
إيران
أما بالنسبة
لتحديها الفوري، والمتمثل في التأثير على مخرجات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع
إيران، فإن رؤية مجموعة الـ (R4) تستند إلى ما يدركه أعضاؤها على أنه فجوة وظيفية في المفاوضات
الأمريكية-الإيرانية وفجوة هيكلية في النظام الإقليمي. ورغم دور قطر وسمان في
الوساطة، وعلى الرغم من الإحاطات المستمرة لدول الخليج حول وضع المحادثات
الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، تخشى العواصم الخليجية ألا تتمكن واشنطن وطهران
من التوصل إلى ما وصفوه بـ "اتفاق شامل" يعالج نطاق مخاوفهم بالكامل.
وتشمل هذه المخاوف: إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل ودون قيود؛ وفرض قيود على برنامج
الصواريخ والمسيرات الإيراني؛ ووضع حد لتدخل طهران في شؤونهم الداخلية أو دعمها
للجهات الفاعلة من غير الدول العنيفة.
كما تخشى دول
الخليج من أن الأعمال العدائية – سواء كانت اشتباكات مباشرة بين الولايات المتحدة
وإيران أو تصرفات من قبل إسرائيل التي أخفقت الولايات المتحدة في كبح جماحها – قد
تصعّد، مما يؤدي إلى إشعال دورة أكثر ضرراً من الانتقام الإيراني الموجه ضدهم. وقد
أكدت الأحداث بالفعل هذه المخاوف: فمع تآكل مذكرة التفاهم، عاد إطلاق النار للبدء
من جديد، بما في ذلك الهجمات الإيرانية على السفن الخليجية العابرة لمضيق هرمز
وعلى أراضي العديد من دول الخليج.
وهيكلياً، أبرزت
الحرب حقيقة طالما أدركتها دول الخليج ولم تستطع معالجتها: وهي أنها لا تستطيع
الاعتماد حصرياً على ضامني أمن خارجيين أقوياء غالباً ما تتباعد أولوياتهم عن
أولوياتهم الخاصة والذين يمارسون عليهم تأثيراً محدوداً فحسب. فالولايات المتحدة،
بقدراتها العسكرية وقدراتها الاستخباراتية وقدرتها على فرض العقوبات، تظل شريكاً
حيوياً، ويقر المسؤولون الخليجيون بأنهم ما زالوا بحاجة إلى الاعتماد على واشنطن
(وفي حالة الإمارات، على التعاون العسكري مع إسرائيل). لكن الولايات المتحدة ما
زالت تعاملهم كأطراف أضعف بحاجة إلى الحماية، أو كوسطاء محتملين، أو كمضيفين
لقواعدها العسكرية. وترامها إيران باعتبارها أهدافاً ضعيفة وقنوات محتملة إلى
واشنطن. أما إسرائيل، فتكاد لا تبدو وكأنها تأخذهم بعين الاعتبار في حساباتها
العسكرية.
وما يغيب عن كل
هذا هو أي اعتبار ذي معنى للمصالح الأمنية الجوهرية لدول الخليج نفسها. بل على العكس
من ذلك، وكما ترى تلك الدول بشكل متزايد، فإن التحركات الأمريكية باسم الأمن قد
تخدم الأمن الأمريكي والإسرائيلي ولكنها تأتي باستمرار على حساب أمنها، بغض النظر
عن الشخص الجالس في البيت الأبيض.
وهي تشير إلى
أمثلة عديدة. ولتعداد بعض أبرزها: في عام 2003، عندما غزت الولايات المتحدة
العراق، ألقت السعودية باللوم على واشنطن في تسليم البلاد لإيران؛ وفي عام 2015،
عندما أبرمت إدارة الرئيس باراك أوباما اتفاقاً نووياً مع إيران، أخفقت في اشراك
شركائها الإقليميين أو أخذ مصالحهم بعين الاعتبار؛ وفي عام 2019، لم ترد إدارة
ترامب الأولى على الهجمات المدعومة من إيران ضد منشآت النفط السعودية؛ وخلال عامين
من الحرب في غزة في 2023-2025، رفضت الولايات المتحدة مناشدات دول الخليج لحمل
إسرائيل على التراجع حتى وصل حربها في غزة إلى قطر في سبتمبر/أيلول 2025؛ وخلال
الحرب الأخيرة مع إيران، وجهت الولايات المتحدة أنظمة دفاعها الجوي أساساً نحو
القذائف المتجهة إلى الأهداف الأمريكية والإسرائيلية بينما تعرضت دول الخليج للضرب
المبرح. علاوة على ذلك، تحدت كل من إسرائيل والولايات المتحدة طلبات دول الخليج
بالامتناع عن مهاجمة البنية التحتية الحيوية لإيران خشية أن تنتقم إيران من بنيتها
التحتية. إن البند الوارد في مذكرة التفاهم القاضي بتخصيص صندوق بقيمة 300 مليار
دولار للمساعدة في تعافي إيران هو حالة تعتقد فيها الدول الخليجية أن الالتزامات
المالية تُبنى باسمها (ضمناً على الأقل) دون موافقتها أو مشاركتها المباشرة.
وبالمثل، خلصت
دول الخليج إلى أن استثمارها في الانفراجة مع إيران على مدار السنوات الثلاث
الماضية قد بلغ حدود ما يمكن أن يحققه. وفي حين كانت تدرك تماماً أن إيران قد تضرب
المواقع العسكرية الأمريكية على أراضيها، إلا أنها فوجئت بحجم الهجمات بالصواريخ
والمسيرات الإيرانية وأهدافها – بما في ذلك المطارات ومنشآت الطاقة والأحياء
المدنية – فضلاً عن الدمار الهائل الذي عانت منه معظم اقتصاداتها نتيجة لذلك. لقد
أدت الحرب إلى تقليص القيمة المتصورة للانخراط الدبلوماسي وتبرير أولئك الذين
دافعوا عن اتخاذ موقف أكثر تشدداً.
إن مجموعة الـ (R4) المندمجة يمكن أن تبدأ في تغيير هذه
الديناميكية. وهي لن تحل محل الدبلوماسية الثنائية مع إيران، أو تقلل بشكل مجدٍ من
اعتماد دول الخليج على مظلة الأمن الأمريكية، أو تعوض النفوذ الاقتصادي الذي تمنحه
العقوبات الأمريكية على إيران. كما يدرك المسؤولون في الخليج أن دولهم من المرجح
أن تكون أهدافاً إيرانية مرة أخرى كلما وقعت أعمال عدائية.
مع ذلك، يمكن
لأعضاء هذا التكتل توفير درجة من القوة السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية
الجماعية التي لا يمتلكها أي منهم بمفرده أو أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي
بشكل فردي. وبالفعل، نشرت باكستان ومصر قوات في دول الخليج، وهو إشارة حذرة لكل من
تلك الدول وإ إيران إلى أنهما مستعدتان للاستثمار في هيكل أمني أكثر تجذراً
إقليمياً وموجهاً نحو الردع.
علاوة على ذلك،
ومع استمرار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، يمكن لدول الـ (R4) أن تطرح آفاقاً لحوافز اقتصادية
ودبلوماسية قد تجدها الجمهورية الإسلامية أكثر أهمية من تلك القادمة من دول الخليج
الفردية. وبافتراض تخفيف العقوبات الأمريكية اللازم، فإن مثل هذا الإطار سيسمح
لهما بتقاسم المخاطر السياسية والاقتصادية للانخراط اقتصادياً مع إيران، وتضخيم
فوائدها، بطريقة تشبه إلى حد ما نموذج الاستثمار وتقاسم المخاطر متعدد الأطراف
الذي تعتمده دول المنطقة في سوريا.
ونظراً لثقلها
المجنّع وتوافقها الواسع لصالح الحوار مع إيران، قد تقوم مجموعة الـ (R4) أيضاً بتعديل الأصوات الأكثر تشدداً
على جانبي الخليج وخارجه، بما في ذلك في واشنطن والعواصم الأوروبية. وخاصة إذا
توسعت عضوية المجموعة، فسيكون بمكانتها أفضل لتعكس مصالح دول الخليج عند التعامل
مع واشنطن وطهران وبكين وموسكو ومختلف العواصم الأوروبية. وقد أشارت مجموعة الـ (R4) إلى هذا الاتجاه عندما أكدت في بيانها
المشترك الأول، الصادر بعد اجتماع القاهرة في 21 يونيو/حزيران، أنها "أشادت
بالجهود المبذولة" للتوصل إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران
وأكدت "على أن هذه الجهود يجب أن تأخذ في الاعتبار مخاوف دول المنطقة، لا
سيما فيما يتعلق بأمن واستقرار دول الخليج، وكذلك منطقة بلاد الشام".
الطريق إلى
الأمام
لن تكون أي من
المهام الماثلة أمام مجموعة الـ (R4) واضحة ومباشرة. وفي حال حدوثه، فإن اندماج مجموعة الـ (R4) كآلية إقليمية سيستغرق وقتاً، كما يقر
أعضائها بكل استعداد، ويتطلب إدارة مستمرة للخلافات الداخلية. بالإضافة إلى ذلك،
سيتعين على إيران ودول إقليمية أخرى والولايات المتحدة قبول التكتل كمنصة غير
رسمية للتنسيق الإقليمي أو، على الأقل، عدم السعي لتقويضه. وفي الوقت الحالي، تمثل
المفاوضات الإقليمية المفترضة مع إيران الاختبار الأول والأكثر إلحاحاً لهذا
الاحتمال.
وبقدر ما أن مصر
وباكستان وتركيا غير مستعدات لتحديد التهديد الإيراني بالطريقة التي تفعلها
السعودية وعدد من دول الخليج الأخرى، فقد تتمثل إحدى المقاربات في أن تقترح مجموعة
الـ
(R4) حواراً
أمنياً إقليمياً لا يتناول سلوك طهران بمعزل عن غيره. بل يمكنه التعامل مع دعم
إيران للوكلاء كجزء من قصور هيكلي يتضمن التوسع الإسرائيلي، وقد حفز تنافساً ضاراً
بين الدول الأربع نفسها، وأدى إلى دول فاشلة وصراعات متكررة، وجعل جزءاً كبيراً من
المنطقة معتمداً بشكل مفرط على ضمانات أمنية أمريكية محفوفة بالخاطر. وسيكون الوضع
النهائي المنشود هو هيكل أمني إقليمي تمتنع فيه جميع الدول عن تمويل وتسليح
الميليشيات، والتدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض، واستخدام القوة لفرض
أجندتها، أو تعزيز انهيار الدولة أو تمكين الهجمات على جيرانها – وبعبارة أخرى،
معيار ينطبق بالتساوي على الجميع.
وبالمثل، فمن
المرجح أكثر أن تُنظر مجموعة الـ (R4) كمحاور فعال مع إيران إذا استطاعت كسب دعم أوسع من دول الخليج
الأخرى. وعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية هي القوة المركزية في الخليج،
إلا أنها ستكون على أرضية أصلب إذا نسقت بشكل وثيق مع أعضاء مجلس التعاون الخليجي
الآخرين. وإذا قاومت دول الخليج الأخرى منح الرياض هذا الدور، مفضلة الاستمرار في
السعي وراء صفقات ثنائية مع إيران، فإنها تخاطر بتعميق الانقسامات داخل مجلس
التعاون الخليجي وتقويض فعالية الدبلوماسية الإقليمية. وفي هذا الصدد، يمكن
للسعودية الاستفادة من العلاقات المصرية، وخاصة القطرية، مع دول الخليج الأخرى
لبناء توافق في الآراء خلف رؤية جماعية.
وعلى الرغم من
أن الدول الأربع هي وستظل شريكة عسكرية للولايات المتحدة، إلا أن ترتيباتها مع
واشنطن تختلف بشكل كبير. فتعتمد تركيا ومصر وباكستان قبل كل شيء على قواتها
المسلحة للدفاع عن أراضيها الوطنية و – إذا لزم الأمر – شن عمليات في محيطها
المباشر. كما أنها تميل إلى تفضيل هيكل أمني متجذر في القدرة الإقليمية وتصورات
التهديد، وبالتالي يكون أقل اعتماداً على القرارات الأمريكية بشأن الحرب والسلام.
وتركيا، رغم كونها عضواً في حلف الناتو بنفسها، كانت واضحة أيضاً بشأن الحاجة إلى
هيكل منفصل متجذر بالكامل في الملكية الإقليمية بدلاً من الاعتماد على أي فاعل
خارجي. ويختلف تاريخ السعودية ودول الخليج الأخرى: فهي تميل إلى الاعتماد بشكل
أكبر على الولايات المتحدة (التي قدمت ضمانات أمنية وإن لم تكن ضمانات ملزمة
قانوناً)، فضلاً عن الشراكات مع قوى خارجية أخرى.
وقد تجلى هذا
الاختلاف بطرق مختلفة. ففي أعوام 1991 و2005 ثم مرة أخرى في 2015، تجاهلت السعودية
ودول الخليج الأخرى المقترحات المصرية المتعلقة بترتيبات الدفاع والأمن العربي
المشترك. ومن جانبها، انسحبت مصر من المفاوضات التي قادتها السعودية والتي تهدف
إلى تشكيل تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط بقيادة أمريكية في عام 2019، خوفاً
جزئياً من أن يتسبب مثل هذا الميثاق في جرّ القاهرة إلى مواجهة مع إيران وإجبارها
على إقامة علاقات عسكرية وثيقة مع إسرائيل.
وبشكل أوسع،
وكما تم توضيحه بالفعل، فإن ترتيبات القواعد والدخول الواسعة النطاق لدول الخليج
مع واشنطن تعني أنها ستتورط بالتأكيد في أي مواجهة عسكرية أمريكية أو ربما حتى
إسرائيلية مع إيران. وقد تكون هذه العلاقات مع الولايات المتحدة أيضاً مصدراً
للتوتر مع أعضاء الـ (R4)،
كما يتضح خلال الحرب الأخيرة. ورغم أن باكستان ومصر أدانتا الهجمات الإيرانية على
الدول الخليجية ونشرتا قوات في دول الخليج، وبينما تركزت جهودهما الوسيطة على
إقناع إيران بوقف إطلاق النار والتنسيق مع السعودية، فقد توقعت بعض الدول الخليجية
الأخرى بوضوح دعماً سياسياً وعسكرياً أكبر. وسيتعين إدارة مثل هذه الانقطاعات إذا
كان الإطار سينضج وربما يتوسع ليشمل دولاً خليجية أخرى يكون أمنها مرتبطاً بشكل
أوثق بالولايات المتحدة وإسرائيل – وهما الإمارات العربية المتحدة والبحرين.
لا يمكن استبعاد
هذه التحديات القوية وغيرها التي تواجه إرساء ترتيبات أمنية ذات أساس إقليمي. ومع
ذلك، وبقدر ما اهتزت التصورات الخليجية لفعالية واستدامة الردع الأمريكي خلال
الحرب الأخيرة، فإن عناصر نظام أمني تكميلي، وأكثر دفاعيةً ومتجذرَاً إقليمياً، قد
جرى بالفعل إنشاؤها أو تبدو في طريقها للظهور. وتشمل هذه العناصر القاعدة التركية
الجديدة في قطر؛ والانتشار الدفاعي المصري والباكستاني في السعودية والإمارات وقطر
والكويت؛ والتقارير الموثوقة عن ردود عسكرية سعودية وإماراتية داخل العراق وإيران؛
فضلاً عن الرفض السعودي والكويتي للطلبات الأمريكية باستخدام الأراضي والمجال
الجوي لتوفير حماية القوة لعملية "مشروع الحرية" (Project Freedom)، التي هدفت إلى إعادة
فتح مضيق هرمز بالقوة.
وفي الوقت
الحالي، تظل مجموعة الـ (R4) منتدى تشاورياً فضفاضاً وغير رسمي. ففي بيانهم المشترك الأول، وصف
الأعضاء أنفسهم "بأنهم منصة هامة للحوار المهيكل، والتشاور الاستراتيجي،
وتنسيق السياسات حول القضايا ذات الاهتمام المشترك". وإن لغة البيان الواسعة
جداً تخفي وجهات نظر متباينة فيما يتعلق بالمستقبل. فبعض الأعضاء متشككون في إمكانية
تطور الـ
(R4) إلى
تكتل أكثر رسمية؛ بينما اقترح آخرون أن يُنشئ الأعضاء مجموعات عمل ويعقدوا
اجتماعات منتظمة، في نهاية المطاف على مستوى رؤساء الدول. وحتى الآن، دعا الرئيس
المصري وحده علناً إلى جعل مجموعة الـ (R4) مؤسسة رسمية.
ويظل من غير
المأمول بعد معرفة ما إذا كانت مجموعة الـ (R4) قادرة على أن تصبح نواة لنظام أمني مستدام
تقوده المنطقة ويمنح دول الشرق الأوسط والجوار دوراً أكثر مركزية في صياغة البيئة
التي تحكم أمنها الخاص. وكيف ستساهم في صنع السلام بين الولايات المتحدة وإسرائيل
وإيران وتساعد في إدارة تداعيات حربهم الأخيرة، فسيبدأ ذلك في توفير إجابة.
*
ياسمين فاروق، مدير مشروع، منطقة الخليج وشبه الجزيرة
العربية، مجموعة الأزمات الدولية
(International Crisis Group - ICG)