شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تحولًا جذريًا
في طبيعة القوة ومصادرها، إذ لم تعد القوة العسكرية والاقتصادية التقليدية وحدها المحدد
الرئيس لمكانة الدول الكبرى، وإنما أصبحت التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي،
والفضاء السيبراني، وأشباه الموصلات، والبيانات الضخمة، وسلاسل التوريد الرقمية، تمثل
ركائز أساسية للتنافس الاستراتيجي. وقد انعكس هذا التحول على السياسة الخارجية للولايات
المتحدة الأمريكية التي انتقلت تدريجيًا من التركيز على الاحتواء العسكري والأيديولوجي
إلى تبني أدوات جديدة يمكن توصيفها ضمن مفهوم الاحتواء الرقمي (Digital Containment).
وتعد سياسة الاحتواء
(Containment) من أبرز الاستراتيجيات التي اعتمدتها الولايات
المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، والتي صاغ أسسها جورج كينان بهدف الحد من التوسع
السوفيتي ومنع انتشار النفوذ الشيوعي. وقد ارتكزت هذه السياسة على الردع العسكري، وبناء
التحالفات الدولية، وتقديم الدعم الاقتصادي والسياسي للحلفاء، بما يحافظ على توازن
القوى ويمنع خصوم الولايات المتحدة من توسيع نفوذهم.
إلا أن التحولات التي شهدها القرن الحادي والعشرون
أوجدت بيئة استراتيجية مختلفة جذريًا، حيث أصبحت التكنولوجيا أحد أهم عناصر القوة الوطنية.
ومع تصاعد المنافسة مع الصين وروسيا، بدأت الولايات المتحدة تعتمد بصورة متزايدة على
أدوات تكنولوجية واقتصادية، مثل ضوابط تصدير أشباه الموصلات، والقيود المفروضة على
التقنيات المتقدمة، وحماية سلاسل التوريد الرقمية، وتعزيز الأمن السيبراني، والتعاون
مع الحلفاء في مجالات التكنولوجيا الحساسة. ورغم أن مصطلح الاحتواء الرقمي لا يمثل
سياسة رسمية معلنة بهذا الاسم في الوثائق الأمريكية، فإنه يشكل إطارًا تحليليًا مناسبًا
لتفسير هذا التحول في أدوات السياسة الخارجية الأمريكية.
وبذلك يمكن النظر إلى الاحتواء الرقمي بوصفه امتدادًا
معاصرًا لسياسة الاحتواء التقليدية، إذ ظل الهدف الاستراتيجي المتمثل في الحد من تنامي
نفوذ القوى المنافسة والحفاظ على التفوق الأمريكي قائمًا، بينما تغيرت أدوات التنفيذ
بما يتلاءم مع طبيعة الصراع في العصر الرقمي. فبدلاً من التركيز على المواجهة العسكرية
المباشرة، أصبح التنافس يدور حول امتلاك التكنولوجيا، والسيطرة على البيانات، وحماية
البنية التحتية الرقمية، والتفوق في الذكاء الاصطناعي، والتحكم في سلاسل الإمداد العالمية.
ويزداد هذا التحول أهمية مع التطور المتسارع لأنظمة
الذكاء الاصطناعي، ولا سيما ظهور الذكاء الاصطناعي الوكيلي
(Agentic AI)، الذي يتميز بقدرته على التخطيط،
والبحث، واتخاذ القرارات، وتنفيذ سلاسل من الإجراءات بصورة مستقلة نسبيًا لتحقيق أهداف
محددة. وقد أدى هذا التطور إلى انتقال النقاش من التركيز على كفاءة النماذج الذكية
إلى التساؤل حول كيفية ضبطها ومنعها من تجاوز الحدود التشغيلية والأمنية التي صُممت
للعمل ضمنها.
وفي هذا الإطار، أثارت بعض الاختبارات الأمنية وتقارير
الأوساط البحثية اهتمامًا متزايدًا بإمكان ظهور سلوكيات غير متوقعة من بعض وكلاء الذكاء
الاصطناعي أثناء تنفيذ المهام المعقدة. وقد أسهمت هذه النقاشات في إبراز مفهوم احتواء
الذكاء الاصطناعي (AI Containment)،
الذي يركز على تطوير الضوابط التقنية والتنظيمية الكفيلة بضمان بقاء الأنظمة الذكية
ضمن الحدود المرسومة لها، ومنعها من تنفيذ إجراءات قد تتعارض مع أهداف مطوريها أو مع
متطلبات الأمن السيبراني. ولا يعني ذلك أن أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحت مستقلة بالكامل
أو خرجت عن السيطرة بصورة عامة، وإنما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية تصميم آليات فعالة
للحوكمة والرقابة مع تزايد قدرات هذه الأنظمة.
وفي هذا السياق، يشير المفكر الاستراتيجي الدكتور
تحسين الشيخلي إلى أن الدرس الحقيقي لا يكمن في استخدام مصطلحات مثل “تمرد الذكاء الاصطناعي”،
وإنما في ثلاثة تحولات استراتيجية كبرى. يتمثل التحول الأول في دخول العالم عصر الذكاء
الاصطناعي الوكيلي، حيث لم تعد الأنظمة الذكية تقتصر على تقديم الإجابات، بل أصبحت
تخطط، وتبحث، وتتخذ قرارات، وتنفذ إجراءات متسلسلة بصورة مستقلة نسبيًا لتحقيق أهداف
محددة. ويتمثل التحول الثاني في انتقال الأمن السيبراني إلى مرحلة جديدة عنوانها “آلة
تهاجم آلة، وآلة تدافع عن آلة”، إذ أصبحت الهجمات والدفاعات السيبرانية تعتمد بصورة
متزايدة على وكلاء أذكياء يعملون بسرعات تتجاوز القدرة البشرية. أما التحول الثالث،
والأكثر أهمية، فهو أن احتواء الذكاء الاصطناعي (AI
Containment) سيغدو أحد أهم موضوعات الأمن الدولي خلال
السنوات المقبلة، بحيث لن يكون السؤال الأساسي هو مدى ذكاء النموذج، وإنما مدى القدرة
على ضمان بقائه ضمن الحدود والقيود التي صُمم للعمل في إطارها.
ومن هذا المنطلق، لم يعد مفهوم الاحتواء الرقمي
يقتصر على احتواء القوى المنافسة في المجال التكنولوجي، وإنما أصبح يشمل أيضًا احتواء
التقنيات نفسها. فالدول الكبرى لم تعد معنية فقط بمنع خصومها من امتلاك التكنولوجيا
المتقدمة، بل أصبحت مطالبة أيضًا بضمان أن تظل أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تطورها
خاضعة للرقابة البشرية، ومتوافقة مع المعايير الأمنية والأخلاقية والقانونية. وهكذا،
أصبح الاحتواء الرقمي مفهومًا مزدوجًا يجمع بين البعد الجيوسياسي، الذي يستهدف إدارة
التنافس بين القوى الكبرى، والبعد التقني، الذي يهدف إلى إدارة المخاطر الناشئة عن
تطور الذكاء الاصطناعي.
ومن منظور نظريات العلاقات الدولية، يتوافق هذا
التحول مع افتراضات الواقعية البنيوية والواقعية الهجومية، اللتين تنظران إلى النظام
الدولي بوصفه ساحة تنافس مستمر بين القوى الكبرى على مصادر القوة والنفوذ. وإذا كانت
القوة العسكرية هي العامل الحاسم في مرحلة الحرب الباردة، فإن التكنولوجيا والذكاء
الاصطناعي والفضاء السيبراني أصبحت تمثل اليوم المصادر الأكثر تأثيرًا في تشكيل موازين
القوة العالمية. ولذلك، فإن الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي لا يمثلان قطيعة
مع سياسة الاحتواء التقليدية، بل يعكسان تطورها بما يتلاءم مع طبيعة البيئة الاستراتيجية
في القرن الحادي والعشرين.
وعليه، يمكن الاستنتاج أن مستقبل السياسة الخارجية
الأمريكية سيتجه بصورة متزايدة نحو توظيف أدوات الاحتواء الرقمي بوصفها امتدادًا للاستراتيجية
التاريخية للاحتواء، مع توسع نطاقها ليشمل ليس فقط المنافسين الدوليين، وإنما أيضًا
التقنيات الذكية ذاتها. ويعكس هذا التحول إدراكًا متناميًا بأن السيطرة على التكنولوجيا
وإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي ستصبحان من أهم محددات الأمن القومي والتوازنات الدولية
خلال العقود القادمة.
بعض المصادر المفيدة ذات العلاقة
* George F. Kennan (1947), The Sources of Soviet Conduct.
* John J. Mearsheimer (2001), The Tragedy of Great Power
Politics.
* Kenneth N. Waltz (1979), Theory of International Politics.
* Henry Farrell & Abraham L. Newman (2019), “Weaponized
Interdependence”.
* Chris Miller (2022), Chip War: The Fight for the World’s
Most Critical Technology.
* Graham Allison (2017), Destined for War.