يمر الاقتصاد العراقي
بمرحلة دقيقة تتسم بتحديات مالية متزايدة، نتيجة الاعتماد الكبير على الإيرادات
النفطية التي تمثل المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العامة. ومع أي اضطراب في أسواق
الطاقة أو انخفاض في حجم الصادرات النفطية بسبب الأزمات الإقليمية أو الدولية،
تتعرض المالية العامة لضغوط كبيرة تنعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة في الإيفاء
بالتزاماتها المالية، وتمويل الخدمات العامة، واستمرار تنفيذ المشاريع الاستثمارية.
وفي ظل هذه الظروف،
يصبح البحث عن مصادر تمويل غير نفطية أمراً ضرورياً وليس خياراً، ويأتي النظام
الضريبي في مقدمة الأدوات القادرة على توفير موارد مالية مستدامة إذا ما أُدير
بكفاءة وشفافية وعدالة.
ومن الناحية النظرية
والاقتصادية، فإن تحقيق زيادة كبيرة في الإيرادات الضريبية أمر ممكن، إلا أنه لا
يعتمد على فرض ضرائب جديدة أو رفع معدلاتها، وإنما يرتبط بإصلاح الإدارة الضريبية،
وتوسيع قاعدة الامتثال، والحد من التهرب الضريبي، ومعالجة مواطن الفساد الإداري
والمالي، وتطوير آليات الجباية والتحصيل.
وتشير العديد من
التقارير والمناقشات المتداولة إلى وجود فجوة بين الإيرادات الضريبية الممكن
تحقيقها والإيرادات المتحققة فعلياً، نتيجة تراكم ملفات ضريبية غير محسومة، وضعف
إجراءات التحاسب مع بعض كبار المكلفين، إضافة إلى استمرار الاعتماد على أساليب
تقدير تقليدية قد لا تعكس الحجم الحقيقي للأنشطة الاقتصادية والأرباح المتحققة.
وإذا ثبتت هذه المؤشرات من خلال البيانات الرسمية، فإنها تمثل فرصة كبيرة لإعادة
بناء النظام الضريبي على أسس أكثر كفاءة وعدالة.
فعلى سبيل المثال،
تتداول بعض البيانات أن عدداً من الشركات النفطية لم تُستكمل إجراءات التحاسب
الضريبي الخاصة بها حتى نهاية عام 2024، وأن بعض الملفات تعود إلى سنوات سابقة دون
حسم نهائي. وإذا كانت هذه المعلومات دقيقة، فإنها تستوجب مراجعة مؤسسية وقانونية
شاملة، لضمان تطبيق التشريعات الضريبية على جميع المكلفين دون استثناء، وبما يحقق
العدالة الضريبية ويحافظ على المال العام.
كما أن من أبرز
التحديات التي تواجه الإدارة الضريبية استمرار الاعتماد على أساليب التخمين
والتقدير في بعض القطاعات، الأمر الذي قد يفتح المجال لاختلاف التقديرات أو عدم
توافقها مع الإيرادات والأرباح الحقيقية لبعض كبار المكلفين، سواء في قطاعات
النفط، والاتصالات، والإنترنت، أو الشركات التجارية، والاستثمارية، والعقارية.
ولذلك فإن الانتقال إلى نظام يعتمد على البيانات الرقمية والتحليل المالي يمثل خطوة
أساسية للحد من هذه الإشكاليات.
وإذا نجحت الدولة في
تنفيذ برنامج إصلاح ضريبي شامل، فإن من الممكن ـ من حيث المبدأ ـ تحقيق زيادة
كبيرة في الإيرادات غير النفطية، وقد تصل إلى مستويات تقدر بعشرات التريليونات من
الدنانير، إلا أن تحديد أي رقم، مثل (10) تريليونات دينار، يتطلب دراسات مالية
وإحصائية دقيقة، وبيانات رسمية صادرة عن الجهات المختصة.
ولتحقيق هذا الهدف،
فإن الإصلاح ينبغي أن يستند إلى مجموعة من الإجراءات المؤسسية المتكاملة، أهمها:
أولاً: استكمال مشروع
التحول الرقمي الشامل في الهيئة العامة للضرائب، بحيث تتم جميع عمليات التسجيل،
والتخمين، والتدقيق، والتحاسب، والدفع إلكترونياً، بما يقلل التدخل البشري ويحد من
فرص الفساد والتلاعب.
ثانياً: تطبيق نظام
متقدم لإدارة المخاطر الضريبية يعتمد على تحليل البيانات واختيار الملفات الأكثر
عرضة للتهرب الضريبي وفق معايير علمية، بدلاً من الاعتماد على الاجتهادات الشخصية.
ثالثاً: إنشاء قاعدة
بيانات وطنية موحدة تربط الهيئة العامة للضرائب مع الهيئة العامة للكمارك،
والمصارف، ودائرة تسجيل الشركات، ودوائر العقارات، والجهات المنظمة لقطاعات النفط
والاتصالات، بما يتيح مطابقة البيانات واكتشاف حالات الإخفاء أو التهرب.
رابعاً: إعادة هيكلة
قسم كبار المكلفين وتزويده بكفاءات متخصصة في المحاسبة والتدقيق والقانون
والقطاعات الاقتصادية المختلفة، مع إخضاع أعماله لرقابة مستقلة وتقييم دوري للأداء.
خامساً: إلزام الشركات
الكبرى بتقديم قوائم مالية مدققة وفق المعايير المحاسبية الدولية، وربطها
إلكترونياً بالإقرارات الضريبية، بما يعزز دقة التحاسب ويقلل فرص التلاعب.
سادساً: تعزيز منظومة
النزاهة والرقابة الداخلية، وتدوير الموظفين في المواقع الحساسة بصورة دورية،
وتفعيل حماية المبلغين عن الفساد لضمان بيئة عمل أكثر شفافية.
سابعاً: تشديد
العقوبات القانونية على جرائم التهرب الضريبي، وتسريع إجراءات التقاضي وحسم
المنازعات الضريبية، بما يمنع تراكم الملفات لسنوات طويلة.
ثامناً: إصلاح المنافذ
الحدودية والكمارك، وإحكام الرقابة عليها، لأن كفاءة النظام الجمركي تؤثر بصورة
مباشرة في دقة احتساب الضرائب والرسوم، ولا سيما المتعلقة بالاستيراد.
تاسعاً: توظيف تقنيات
الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لرصد الأنماط غير الطبيعية في الإقرارات
الضريبية، وربطها بالمؤشرات الاقتصادية الفعلية، مما يسهم في رفع كفاءة التدقيق
وتقليل التدخل البشري.
عاشراً: تعزيز
الشفافية المؤسسية من خلال إصدار تقارير دورية توضح حجم الإيرادات الضريبية، ونسب
الامتثال، وعدد الملفات المحسومة، وقيم المبالغ المستحصلة، بما يعزز ثقة المجتمع
ويكرس مبدأ المساءلة.
الخلاصة
إن الأزمة المالية
الحالية تمثل فرصة لإعادة النظر في هيكل الإيرادات العامة للدولة، والانتقال
تدريجياً من الاعتماد شبه الكامل على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة. ويعد
إصلاح النظام الضريبي أحد أهم المسارات القادرة على تحقيق هذا التحول، شريطة أن
يقترن بالإرادة السياسية، والإدارة المهنية، والحوكمة الرشيدة، والتحول الرقمي،
وتفعيل الرقابة والمساءلة.
إن بناء نظام ضريبي
كفوء وعادل لا يقتصر أثره على زيادة الإيرادات العامة فحسب، بل يسهم أيضاً في
تعزيز العدالة الاقتصادية، وتحسين بيئة الاستثمار، وترسيخ الثقة بين الدولة
والمكلفين، وهو ما يمثل أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة
والاستقرار المالي في العراق.
*الأستاذ الدكتور عباس كاظم الدعمي، أستاذ السياسات النقدية