لا يبدو أن خروج القوات الأمريكية ينهي تلقائيا
الملفات المرتبطة بالعراق وربما ينقل مركز الثقل إلى قدرة بغداد على ضبط النشاط
المسلح داخل الأراضي العراقية، وإلى طبيعة تعامل السعودية والولايات المتحدة مع
الهجمات التي قد تنطلق من الأراضي العراقية.
وفي ضوء ذلك، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية
للمرحلة المقبلة:
المسار الأول: إدارة التوتر من دون مواجهة
مباشرة
قد تتجه الأطراف إلى إبقاء الوضع تحت السيطرة،
مع استمرار حالة الإنكار السياسي، بالتوازي مع التزام غالبية الفصائل بالهدنة التي
أعلنها رئيس الوزراء الزيدي لمدة 90 يوماً.
ولا يستبعد في هذا المسار استمرار هجمات محدودة
بالطائرات المسيّرة على أهداف في السعودية والكويت، خصوصاً بالتزامن مع محطات
التفاوض الأمريكي الإيراني في عُمان، بما يجعل الساحة العراقية جزءاً من أدوات
الضغط غير المباشر.
وقد ترد الحكومة العراقية بإجراءات موضعية، مثل
ضبط مواقع إطلاق المسيرات أو إبعاد بعض القيادات المحلية، من دون الانتقال سريعا
إلى ملف حصر السلاح بشكل شامل، الذي قد يبقى مؤجلا إلى مراحل لاحقة.
وفي المقابل، قد تفضل السعودية احتواء هذه
الهجمات وعدم الانتقال إلى رد عسكري منفرد، طالما بقيت العمليات محدودة ولم تتحول
إلى تهديد مستمر لمصالحها الحيوية.
ويظل استمرار الحوار الأمريكي الإيراني عاملاً
مهماً في هذا المسار، إذ قد يدفع طهران إلى إبقاء أدوات الضغط العراقية ضمن حدود
محسوبة، بدلاً من الذهاب إلى تصعيد مفتوح.
المسار الثاني: انتقال السعودية إلى الرد
المباشر
أما في حال تعثرت المفاوضات الأمريكية
الإيرانية أو توقفت، فقد تتغير قواعد التعامل مع الهجمات القادمة من جنوب العراق.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تتجدد عمليات استهداف
منشآت الطاقة السعودية بوتيرة أعلى، ما قد يفتح الباب أمام رد سعودي مباشر على
مواقع مرتبطة بفصائل مسلحة داخل العراق، من دون أن يكون هناك بالضرورة تدخل أمريكي
عسكري مباشر.
مثل هذا التطور قد يضع الحكومة العراقية أمام
اختبار أكثر تعقيداً، إذ قد ترى بعض الفصائل أن عدم تدخل بغداد لمنع الضربات يمثل
موقفاً معادياً لها، الأمر الذي قد يضيف توتراً جديداً بين الحكومة والفصائل
المسلحة.
وبذلك، قد يجد العراق نفسه أمام امتداد إضافي
للصراع الإقليمي، بالتزامن مع الجبهة اليمنية، بينما تصبح حماية منشآت الطاقة
وحركة الإمدادات في الخليج أكثر ارتباطاً بما يجري على الحدود العراقية الجنوبية.
المسار الثالث: تحويل أمن الحدود إلى تفاهم
إقليمي
هناك مسار آخر يقوم على استثمار الضغوط
الاقتصادية والتجارية للدفع نحو تفاهم أوسع بشأن أمن الحدود. فقد تجد الحكومة
العراقية نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في خيارات تصدير النفط وحركة التجارة،
خصوصاً إذا ازدادت المخاطر المرتبطة بممرات التصدير الحالية، وفي هذه الحالة، يمكن
أن تتجه نحو تعاون أوسع مع دول الخليج وتركيا لتطوير مسارات بديلة للتجارة والطاقة
وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
وفي المقابل، قد يتضمن أي تفاهم إقليمي تعزيز
الرقابة على المناطق الحدودية في محافظتي ميسان والبصرة، باستخدام وسائل مراقبة
وتقنيات أمنية يمكن أن تساهم دول الخليج في تمويلها أو توفيرها.
كما يمكن أن تؤدي الولايات المتحدة دوراً غير
عسكري في دعم مثل هذا الترتيب، عبر أدوات النفوذ المالي والاقتصادي المرتبطة
بالنظام النقدي العراقي.
لكن تحقق هذا المسار يتطلب تحولاً في نظرة
بغداد إلى نشاط الفصائل المسلحة، بحيث يصبح ضبط السلاح وحماية الحدود جزءاً من
حماية الإيرادات والتجارة ومصالح الدولة الاقتصادية، وليس ملفاً أمنياً وسياسياً
منفصلاً عنها.
الخلاصة
ستتحدد المرحلة المقبلة وفق ثلاثة عوامل
مترابطة: مسار التفاوض الأمريكي الإيراني، ومستوى تحمل السعودية للهجمات، وقدرة
الحكومة العراقية على فرض سيطرة أكبر على أراضيها وحدودها.
*رئيس مجلس إدارة ملتقى النبأ للحوار
العراق بعد الانسحاب الأمريكي: ثلاثة مسارات للمرحلة المقبلة
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!