بقلم: لوتي
تيلين
قبل ثلاث
سنوات فقط، كان الناس حول العالم ينظرون إلى الولايات المتحدة بإيجابية أكبر مما
ينظرون إلى الصين. لم يعد الأمر كذلك. فبحسب بيانات نشرها مركز بيو للأبحاث هذا
الصيف، تحظى الصين الآن بتقييمات أكثر إيجابية في معظم الدول الـ36 التي شملها
الاستطلاع.
إنه تغيّر
دراماتيكي مقارنةً بما كان عليه الحال قبل عام واحد فقط، حين كان 49% ممن شملهم
الاستطلاع ينظرون إلى الولايات المتحدة نظرة إيجابية، مقابل 37% للصين. وحتى
الأمريكيون أنفسهم باتوا أكثر ميلًا إلى الصين، وخصوصًا الشباب منهم، إذ يتبنّون
على وسائل التواصل الاجتماعي ما يُعرف بـ"Chinamaxxing"، وهي موضة ساخرة يتبنّى فيها
الأمريكيون عناصر من الثقافة الصينية.
ويأتي هذا
التحوّل على خلفية ما يجري داخل الولايات المتحدة. فقد انتهج الرئيس دونالد ترامب
نهجًا أحادي الجانب ومعاملاتيًا أكثر في السياسة الخارجية، مشكّكًا في التحالفات
وفارضًا رسومًا جمركية على الحلفاء. وكما يردّد إيان بريمر كثيرًا، فإن الولايات
المتحدة تتراجع عن النظام العالمي الذي قادته لعقود. وفي المقابل، هناك أسباب تدعو
إلى الاعتقاد بأن بكين تملك الثقل الاقتصادي والعلاقات التجارية والنفوذ
التكنولوجي لملء بعض الفراغ الذي تتركه واشنطن. والسؤال: هل تستطيع ذلك؟
شريك تجاري
يمكن الاعتماد عليه. تقدّم الصين نفسها اليوم شريكًا أكثر موثوقية وشمولًا من
الولايات المتحدة، سواء في التجارة أو التنمية الدولية أو الذكاء الاصطناعي.
وقال جيفري
فاسرستروم، الأستاذ الذي يدرّس التاريخ الصيني في جامعة كاليفورنيا، إيرفاين:
"من الأمور التي يحاول الحزب الشيوعي الصيني فعلها باستمرار الاستفادة من
فكرة وجود استمرارية واستقرار فيه."
أما السياسة
التجارية الأمريكية، فقد أصبحت في المقابل مرادفة لعدم اليقين، مع رسوم جمركية
ومطالب تفاوضية تتغيّر باستمرار. فقد انسحبت كندا من محادثات التجارة في أغسطس بعد
أن غيّرت الولايات المتحدة مطالبها مرارًا، ما أدى إلى فرض الطرفين رسومًا جمركية
باهظة على سلع بعضهما البعض.
وسلكت الصين
طريقًا مختلفًا، إذ اتجهت إلى الشراكات التجارية الإقليمية. ففي عام 2022، صادقت
الصين على اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP)،
وهي اتفاقية تجارية ثمرة 10 سنوات من المفاوضات بين 10 دول من رابطة آسيان، إضافةً
إلى أستراليا والصين واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية، وتمثّل أكثر من 30% من
الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وقد وسّعت الصين نفوذها أكثر عبر الاتفاقيات
التجارية ومبادرات التنمية، وأبرزها مبادرة الحزام والطريق الطموحة، المصمَّمة
لتوسيع البنية التحتية في الدول النامية. وقد تضاعفت صادرات الصين إلى دول الجنوب
العالمي 39 مرة بين عامي 2000 و2024، في حين تضاعفت صادرات الولايات المتحدة مرتين
فقط.
ومثال آخر في
الذكاء الاصطناعي. فقد جمعت مبادرة الولايات المتحدة لحوكمة الذكاء الاصطناعي،
"باكس سيليكا"، عدة حلفاء، منهم بريطانيا وأستراليا وفرنسا، بشرط ألا
ينضمّوا إلى مبادرة الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من هذه المبادرة،
تجاهلت الولايات المتحدة دعوات الحلفاء إلى الحوكمة، وسعت بدلًا من ذلك إلى تسريع
نمو الذكاء الاصطناعي دون ضوابط حقيقية.
وفي المقابل،
أطلقت الصين "المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي" (WAICO) في وقت سابق من هذا العام، متعهدةً بمساعدة
الدول النامية على الاستفادة من تطوير الذكاء الاصطناعي بدل أن تتخلف عن الركب.
كما تقدّم الشركات الصينية نماذج ذكاء اصطناعي "مفتوحة الأوزان"، وهي
نماذج متاحة للجمهور يمكن لأي شخص تنزيلها ودراستها وتخصيصها، وهي أرخص بكثير من
النماذج الأمريكية.
لكن هنا يبدأ
طرح الصين بالتصادم مع سجلّها. فعلى الرغم من خطاب بكين عن التعددية والشراكات
المتكافئة، فإن حجم الاقتصاد الصيني يمنحها نفوذًا كبيرًا على الدول التي تتعامل
معها، وهو نفوذ تستخدمه لمصلحتها.
وأوضح جوشوا
كورلانتزيك، الزميل الأول لشؤون جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا في مجلس العلاقات
الخارجية: "لا تزال الصين تفعل أمورًا إشكالية للغاية فيما يتعلق بالتجارة،
ومنها استخدام الإكراه الاقتصادي ضد الدول التي تفعل ما لا يروق لها." فحين
سمحت ليتوانيا لتايوان عام 2021 بفتح سفارة تايوانية بحكم الأمر الواقع في
فيلنيوس، ردّت الصين بإغلاق أسواقها أمام المنتجات الليتوانية، في دليل على أنها
قد تلعب وفق قواعد مختلفة عن تلك التي كانت الولايات المتحدة تلتزم بها يومًا.
الخطاب مقابل
الواقع. على الرغم من خطابها، لم تتقدّم الصين لملء الفراغ الذي تركته الولايات
المتحدة في الخارج. فقد جاء الجزء الأكبر من المساعدات الإنسانية والتنموية
الأمريكية، ومنها ما كان يُقدَّم عبر وكالة التنمية الدولية (USAID) التي جرى تقويضها منذ ذلك الحين أو عبر
مساعدات الأمم المتحدة، على شكل منح. أما مبادرة الحزام والطريق الصينية، فقد بدأت
في الأصل قروضًا كان على الدول النامية سدادها، وغالبًا بفوائد مرتفعة. كما
اتُّهمت الصين بانتهاك حقوق الإنسان عبر حملات قمع ضد منظمات المجتمع المدني
وجماعات الأقليات.
وأوضح
كورلانتزيك: "في الأصل كانت [القروض] في غاية الملاءمة للصين، حتى رأت بعض
الدول أنها استغلالية، ولم تكن تساعد صورة الصين." ورغم أنها خففت منذ ذلك
الحين من تلك الشروط واستثمرت أكثر في المساعدات التقليدية منذ عام 2019، فإنها لا
تزال بعيدة عن الجهود الإنسانية التي كانت الولايات المتحدة تقودها.
صعود الصين لا
يتعلق بالصين وحدها. فبينما يريد شي جين بينغ أن يعطي انطباعًا بأن الصين تتحول
إلى القوة العظمى الأولى في العالم، فإن القصة أكثر تعقيدًا.
بل إن شي قد
لا يكون الرجل القوي الذي يريد أن يبدو عليه. وقال كورلانتزيك: "ما يغفله
الناس كثيرًا هو أن شي جين بينغ ليس في الحقيقة قائدًا عظيمًا." فقد واجه شي
صعوبات مع اقتصاد غير متوازن وفرط في تنظيم القطاع الخاص. وإضافةً إلى ذلك، فإن
عمليات التطهير المتكررة لجنرالاته أثارت تساؤلات حول قيادته.
وجادل
كورلانتزيك قائلًا: "لو كان للصين قائد أفضل وأكثر كفاءة منذ عام 2012… لكانت
الولايات المتحدة في وضع أسوأ بكثير. بل لربما كانت الصين اليوم القوة المهيمنة
عالميًا." وبدلًا من ذلك، فإن صعود الصين هو "انعكاس جزئي لإشعال
الولايات المتحدة النار في مصداقيتها وقوتها الناعمة."
وتُعدّ كندا
مثالًا لافتًا. فمع تكرار ترامب تهديداته بضمّها وجعلها "الولاية الحادية
والخمسين"، بدأ الكنديون ينفرون من أمريكا، وارتفعت النظرة الإيجابية تجاه
الصين. والآن، أصبحت نظرة الكنديين إلى الصين أكثر إيجابية من نظرتهم إلى الولايات
المتحدة للمرة الأولى في نحو عقدين من استطلاعات بيو.
وبالنسبة
لكندا، كما هو الحال مع كثير من الدول التي تعيد تقييم علاقتها بالولايات المتحدة،
فإن اتساق الصين وموثوقيتها طرح جذّاب. لكن حين يتعلق الأمر بتولّي دور قائد
العالم، فقد لا تكون الصين مؤهلة لذلك. لكن إن لم تكن كذلك، فمن، أو ما الذي سيأتي
بعدها؟
*جي زيرو
ميديا GZERO Media.. موقع إعلامي متخصص في الشؤون الدولية
والجيوسياسية والتحليل السياسي العالمي.