Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

الصين تطرح رؤيتها لنظام عالمي جديد، ولكن هل ستلتزم بتخصيص الموارد التي تضاهي طموحاتها؟

و
وحدة الترجمة – ملتقى النبأ للحوار
الخميس، 25 يونيو 2026 1 دقائق للقراءة
الصين تطرح رؤيتها لنظام عالمي جديد، ولكن هل ستلتزم بتخصيص الموارد التي تضاهي طموحاتها؟

يو جي*
في وقت يتجه فيه انتباه العالم نحو الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، نشرت بكين الأسبوع الماضي بياناً شاملاً حول مستقبل النظام الدولي. صدرت هذه الورقة البيضاء المكونة من 45 صفحة بعنوان "حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها"، بالتزامن مع نشر مجموعة السبع لوصفاتها الخاصة للشؤون العالمية. وهذا يشير إلى تطور دور الصين من مجرد مشارك في النظام الدولي القائم إلى مهندس لنظام عالمي جديد.
قد يكون من السهل استبعاد هذه الوثيقة السياسية الطويلة الصادرة عن بكين، إلا أن أهمية هذه الورقة البيضاء لا تكمن في احتوائها على أفكار ثورية جديدة، بل في كونها تدمج مواضيع بكين الدبلوماسية طويلة الأمد في رؤية متماسكة لإعادة تشكيل الحوكمة العالمية. فهي تجمع بين التنمية والأمن والثقافة والتكنولوجيا والإصلاح المؤسسي تحت إطار مفاهيمي واحد.
في جوهرها، تطرح الورقة البيضاء ثلاثة مقترحات مترابطة: أولاً، ينبغي للعالم أن يتجه نحو نظام أكثر تعددية للأقطاب بشكل حقيقي. ثانياً، ينبغي للأمم المتحدة أن تظل المؤسسة المركزية للحوكمة الدولية. ثالثاً، ينبغي أن يتمتع "الجنوب العالمي" بنفوذ أكبر في تحديد القواعد والأولويات العالمية.
تعد هذه الأفكار دعوة واضحة لإعادة توزيع القوة داخل النظام الدولي الحالي. ومع ذلك، تكشف الوثيقة أيضاً عن تناقض صارخ؛ فبينما تقدم الصين نفسها بشكل متزايد كبطلة لإصلاح الحوكمة العالمية ومدافعة عن التعددية، فإنها لا تزال مترددة في الالتزام بحجم الموارد المالية المرتبطة تاريخياً بالقيادة العالمية.
توقيت نشر الورقة البيضاء ليس من قبيل الصدفة؛ فهي تأتي في لحظة تبدو فيها واشنطن أقل رغبة في تحمل أعباء القيادة الدولية. فبالرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العظمى في العالم، إلا أن الانقسامات السياسية الداخلية، وتجاهل إدارة ترامب الظاهر للقانون الدولي، ونهجها المتقلب في السياسة الخارجية، أثارت تساؤلات حول مستقبل "الرعاية" الأمريكية للنظام الدولي.
من الواضح أن الصين ترى فرصة هنا؛ فالورقة البيضاء تضع بكين مراراً وتكراراً كمدافعة عن النظام الذي تتوسطه الأمم المتحدة ضد الأحادية وسياسات القوة. وعلى عكس القوى الصاعدة في الماضي التي سعت إلى الإطاحة بالمؤسسات القائمة، تصر الصين على أن الأمم المتحدة تظل لا غنى عنها. الرسالة هنا هي أن الحوكمة العالمية يجب ألا تُفكك، بل يجب إعادة توازنها.
هذا التمييز مهم؛ فبكين لا تقترح بديلاً للأمم المتحدة، بل تسعى إلى إعادة تشكيل النظام القائم بطرق تعكس واقع القوة المعاصر بشكل أفضل. ففي نظر بكين، لا يعكس نظام ما بعد عام 1945 عالم اليوم، حيث تشكل الدول النامية غالبية سكان العالم وحصة متزايدة من الناتج الاقتصادي العالمي.
سيكون المستفيدون من هذا التوازن هم دول "الجنوب العالمي". طوال الوثيقة، تصور الصين نفسها كعضو وممثل لهذه الدائرة الواسعة. وتبرز الدعوات لتمثيل أكبر للدول النامية في المؤسسات الدولية وتعزيز مشاركتها في صنع القرار العالمي بشكل واضح. وبينما كان تعاون الجنوب العالمي يركز تقليدياً على التنمية الاقتصادية، تسعى الورقة البيضاء إلى توسيع هذا التعاون ليشمل مجالات أخرى من الشؤون العالمية، بما في ذلك الأمن والتكنولوجيا.
هناك جاذبية كبيرة في هذه الرسالة، حيث طالما جادلت العديد من الدول النامية بأن المؤسسات المالية العالمية وعمليات وضع القواعد لا تزال تتأثر بشكل غير متناسب بالاقتصادات المتقدمة. ولذلك، فإن تركيز الصين على الشمولية والتمثيل يتردد صداه مع مظالم حقيقية تتجاوز بكثير أقرب دائرة من شركاء الصين.
ومع ذلك، فإن القيادة في الشؤون الدولية تتطلب أكثر من مجرد أفكار وخطابات؛ فهي تتطلب أيضاً موارد.
تاريخياً، دفع كل مهندس رئيسي للنظام الدولي ثمناً باهظاً لهذا الدور. فبعد الحرب العالمية الثانية، مولت الولايات المتحدة إعادة إعمار أوروبا من خلال "خطة مارشال"، وضمنت المؤسسات الدولية، وكفلت الترتيبات الأمنية، وقدمت المنافع العامة العالمية. وسواء نظر المرء إلى القيادة الأمريكية بإيجابية أو سلبية، فقد كانت مدعومة بالتزامات مالية هائلة.
الورقة البيضاء الصينية أقل تحديداً بشكل ملحوظ على هذه الجبهة؛ فهي تتحدث بإسهاب عن المبادئ والتعاون والإصلاح المؤسسي، لكن لا توجد التزامات مالية جديدة كبرى للمساعدة في تحقيق هذه الطموحات.
هذا الإغفال ملفت للنظر بشكل خاص بالنظر إلى الظروف الاقتصادية للصين نفسها. فقد أدى تباطؤ النمو والسعي المحلي لتحقيق التفوق التكنولوجي إلى تقييد رغبة بكين في تحمل التزامات خارجية مكلفة. لقد انتهى عصر الإنفاق الذي تقوده الحكومة على مبادرة "الحزام والطريق"، وحل محله نهج أكثر حذراً يركز على مشاريع أصغر وأكثر استهدافاً.
ونتيجة لذلك، تبدو الصين عالقة بين الطموح وضبط النفس. فهي تملأ الفراغ الدبلوماسي الناتج عن الانكفاء الأمريكي -سواء باختيارها أو بحكم الواقع- لكنها لا تبدو مستعدة بعد لتحمل التكاليف المرتبطة تقليدياً بالقيادة المهيمنة.
مع ذلك، قد يكون هذا بالضبط ما تريده الصين؛ فقد أصر صناع السياسات الصينيون طويلاً على أن الصين لا تسعى للهيمنة، ولا ينبغي توقع أن تتحمل المسؤوليات التي كانت تتحملها الولايات المتحدة سابقاً.
وهذا يعني أن الورقة البيضاء ربما لا ينبغي أن تُحكم عليها مقارنة بالقيادة الأمريكية في الماضي. فبكين لا تقترح "خطة مارشال 2.0"، ولا تعرض ضمان نظام عالمي من خلال تحويلات مالية ضخمة أو ضمانات أمنية مفتوحة. بدلاً من ذلك، يبدو أن الصين تسعى إلى شكل مختلف من النفوذ: شكل متجذر في تجربتها التنموية الماضية وشرعيتها المؤسسية الحالية.
من هذا المنظور، الورقة البيضاء لا تتعلق بالهيمنة المالية بقدر ما تتعلق بإبراز "القوة المعيارية". تسعى الصين إلى تشكيل كيفية تفكير الآخرين بشأن السيادة والتنمية والأمن وتوزيع السلطة في الشؤون الدولية. وطموحها ليس بالضرورة استبدال الولايات المتحدة كالمزود الرئيسي للمنافع العامة في العالم، بل إعادة تعريف المبادئ التي تُدار وتُخصص بموجبها هذه المنافع.
إن التركيز المتكرر على تعددية الأقطاب، ومركزية الأمم المتحدة، وصوت الجنوب العالمي، يعكس جهداً لإنشاء مفردات سياسية جديدة لنظام دولي تشغل فيه الصين دوراً دبلوماسياً قيادياً.
سيعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على أكثر من مجرد جاذبية أفكارها؛ فالقيادة المعيارية تتطلب في نهاية المطاف مصداقية، والتي غالباً ما تستند إلى التزامات ملموسة. تُظهر الورقة البيضاء أن الصين أصبحت أكثر ثقة في تقديم رؤية لمستقبل الحوكمة العالمية. وما يظل غير مؤكد هو ما إذا كانت بكين راغبة -أو قادرة- على مواءمة طموحاتها المعيارية المتزايدة مع فن الحكم الاقتصادي اللازم لتحقيقها.
في الوقت الحالي، تقدم الصين للعالم لغة جديدة للنظام الدولي، ويبقى السؤال هو ما إذا كانت ستوفر أيضاً الوسائل لجعل هذا النظام حقيقة واقعة.

*زميلة باحثة أولى في شؤون الصين، برنامج آسيا والمحيط الهادئ، "تشاتام هاوس"






مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!