يتتبع كتاب هذا المقال
الجديد نمو أقوى جماعة ضغط في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية على مدى ما يقرب
من ثمانية عقود
*إيلي كليفتون، إيان
لوستيك
في عام 1948، ومع
احتدام الحرب في فلسطين، وجد هاري ترومان نفسه عالقاً في مأزق.
فمن جهة، كان هناك
جماعات ضغط صهيونية ومستشارون سياسيون للرئيس في الشؤون الداخلية، كانوا يحثونه
على دعم إقامة دولة يهودية في أكبر مساحة ممكنة من فلسطين. ومن جهة أخرى، كان كبار
مسؤولي السياسة الخارجية والأمن القومي، بقيادة وزير الخارجية جورج سي. مارشال.
وكانت توصيتهم بالإجماع هي منع إقامة دولة يهودية، إذ كانوا يعتقدون أن ذلك سيؤدي
إلى اندلاع حرب في الشرق الأوسط، ويعرض مستقبل العلاقات الأمريكية مع العالم
العربي والإسلامي للخطر.
وباستثناء جورج واشنطن
ربما، لم يحظَ أي قائد دبلوماسي أو عسكري في التاريخ الأمريكي بسمعة تضاهي سمعة
مارشال في النزاهة الوطنية والمهارة والتفاني في أداء الواجب. وكان ترومان يكنّ
إعجاباً عميقاً لوزير الخارجية، الذي كان، بصفته رئيس أركان القوات المسلحة
الأمريكية، قد أشاد به ونستون تشرشل ووصفه بأنه "المنظم الحقيقي للنصر"
في الحرب العالمية الثانية. وبعد الحرب، كان مارشال هو الذي أطلق الخطة التي حملت
اسمه لإعادة إعمار أوروبا.
في منتصف أربعينيات القرن
الماضي، دفع مارشال بهدوء ولكن بثبات ضد مقترحات الحركة الصهيونية الرامية إلى
إقامة دولة يهودية في فلسطين. وكان قلقاً من أن الدعم الأمريكي سيفتح المجال أمام
الاتحاد السوفيتي لاستغلال الغضب العربي، ويعرض إمدادات النفط في الشرق الأوسط
للخطر في حال اندلاع حرب بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، كما سيستلزم نشر
قوات أمريكية غير متاحة لمنع إراقة الدماء وعدم الاستقرار في فلسطين. وكانت هذه
بالفعل الآراء الراسخة لدى جميع مستشاري ترومان تقريباً الأكثر أهمية في الشؤون
العسكرية والسياسة الخارجية.
كان ترومان متأثراً
شخصياً وبعمق بمعاناة الناجين اليهود من "الحل النهائي" النازي، لكنه
كان أيضاً منزعجاً، وفي بعض الأحيان غاضباً، من الضغوط المستمرة التي تعرض لها من
جانب الناشطين المطالبين بالاعتراف بدولة يهودية في فلسطين، ومن بينهم المنظمة
الصهيونية العالمية، إلى جانب وفود يهودية عديدة وأصدقاء وسياسيين. وعلى الرغم من
ضيقه الشخصي، لم يكن بإمكانه تجاهلهم. ومع حلول عام انتخابي سيواجه فيه حاكم
نيويورك توماس ديوي، دفعت ضغوط اللوبي الصهيوني ترومان إلى موقف بالغ الصعوبة
والإحراج.
ومع غرق فلسطين في حرب
أهلية، وتهديد الدول العربية بغزوها، واقتراب آخر الجنود البريطانيين من مغادرة
البلاد، دعا ترومان إلى اجتماع لكبار مستشاريه في 12 مايو/أيار 1948. ووفقاً
لرواية مارشال نفسه للاجتماع، فقد حذر ترومان من تبني السياسة التي كان مستشاره
السياسي الرئيسي كلارك كليفورد يدفع بقوة نحوها، والمتمثلة في الاعتراف بدولة
إسرائيل قبل قيامها.
وقال مارشال إن مثل
هذه الخطوة ستكون "حيلة واضحة لكسب بضعة أصوات"، وستترك "الكرامة
العظيمة لمنصب الرئيس... وقد تضاءلت بشكل خطير". وأعلن مارشال أنه لن يكون
قادراً شخصياً على التصويت لترومان إذا خضع للضغوط السياسية بشأن هذه القضية.
واختتم ترومان الاجتماع وهو في حالة من الاضطراب، قائلاً إنه يتفق مع مارشال.
لكن خلال يومين، وبسبب
حساسيته الشديدة تجاه هشاشة قبضته على الرئاسة وقوة المتعاطفين مع الصهيونية في
تحويل أصوات نيويورك الانتخابية إلى الجمهوريين، أمر ترومان الولايات المتحدة
بالاعتراف بإسرائيل.
واليوم، أصبحت
الجماعات المعروفة بشكل فضفاض باسم "اللوبي الإسرائيلي" أكثر قوة. وكان
مأزق ترومان، المتمثل في وقوعه بين إحساسه بالمصلحة الوطنية والثمن السياسي
الداخلي لمعارضة جماعة ضغط قوية، أمراً سيختبره رئيس تلو الآخر في العقود اللاحقة.
وبالانتقال سريعاً إلى
الوقت الحاضر، فإن قرار دونالد ترامب شن الحرب على إيران في وقت سابق من هذا العام
جاء بعد حملة متواصلة من جانب إسرائيل لإقناع الولايات المتحدة بالانضمام إلى
العملية الكارثية. كما جاء القرار في تحدٍ لتوصيات عدد من كبار مستشاريه، وكذلك لنحو
45% من الجمهوريين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل. وقد يُفسَّر هذا القرار
بسهولة باعتباره مثالاً آخر على صناعة السياسات المتقلبة التي طبعت فترتي ترامب
الرئاسيتين. لكن دراسة تجربة عدد من أسلافه تكشف أن هذا القرار الرئاسي أقرب إلى
القاعدة منه إلى الاستثناء.
والحقيقة هي أنه منذ
ترومان وحتى ترامب، رضخ معظم الرؤساء الأمريكيين لمطالب إسرائيل والمدافعين عنها.
فقد رفض الرؤساء، مدفوعين بالخوف من الهزائم السياسية الداخلية، بصورة منتظمة
سياسات خارجية كانوا هم وكبار مستشاريهم يعتقدون أنها تصب في مصلحة الولايات
المتحدة، أو تخلوا عنها، وذلك على حساب تحقيق تقدم حقيقي في التوصل إلى حل سلمي
للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
ويتتبع كتابنا الجديد،
«لوبي إسرائيل»، نمو أقوى جماعة ضغط في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية على مدى
عقود. ويتألف هذا اللوبي من مجموعة واسعة من المنظمات والجماعات والأفراد الذين
يدافعون عن سياسات أمريكية تفضل صراحة مصالح إسرائيل، وقد قامت الحكومات
الإسرائيلية برعايته وتشجيعه وتوجيهه. واستغلالاً لحقيقة أن معظم الناخبين كانوا
يجهلون القضية أو غير مهتمين بها، استخدم اللوبي موارد هائلة واهتماماً مركزاً لمعاقبة
السياسيين أو مكافأتهم على كل المستويات، بحسب مدى استعدادهم لاتباع تعليمات
اللوبي.
وبعد أكثر من 20 عاماً
على واقعة ترومان، أطلق الرئيس جيرالد فورد، على سبيل المثال، ما وصفه بأنه «إعادة
تقييم» للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وكان فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر
قد طرحا هذه المبادرة باعتبارها وسيلة للخروج من عامين من الإخفاقات المحرجة في
التحرك نحو اتفاق شامل للسلام العربي الإسرائيلي. وكان كل من فورد وكيسنجر قد
أصبحا شديدي الاستياء من المماطلة الإسرائيلية.
وأجرت لجنة من
«الحكماء» دعا إليها كيسنجر عملية إعادة التقييم، وضمت مسؤولين حكوميين سابقين
كانوا من أعمدة مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب. وكانت
توصية اللجنة بالإجماع هي ممارسة الضغط على إسرائيل للانسحاب من الضفة الغربية
وقطاع غزة، من أجل تحقيق سلام شامل بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي.
وأثارت المؤشرات
الواضحة على أن فورد ينوي قبول هذه التوصية تعبئة قوية من جانب أبرز منظمات اللوبي
الإسرائيلي، مثل مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى ولجنة الشؤون العامة
الأمريكية الإسرائيلية (إيباك). وكان الإنجاز الحاسم للوبي يتمثل في رسالة صاغتها إيباك
وسُلّمت إلى فورد، تطالب الرئيس بأن "يوضح... أن الولايات المتحدة، وهي تتصرف
انطلاقاً من مصالحها الوطنية، تقف بثبات إلى جانب إسرائيل في البحث عن السلام في
المفاوضات المقبلة"، ووقّع عليها 76 عضواً في مجلس الشيوخ.
وكان فورد "غاضباً
بشدة" مما اعتقد أنه حملة إسرائيلية لاستخدام اللوبي لعرقلة الدبلوماسية.
لكنه خضع للضغوط. ولحماية فرصه في الانتخابات المقررة في العام التالي، رفض فورد
التوصية بالإجماع الصادرة عن «الحكماء»، وعاد بدلاً من ذلك إلى عملية الخطوات
التدريجية التي كانت قد أثارت غضبه، وهي عملية تقوم أساساً على "شراء"
أجزاء من شبه جزيرة سيناء، التي استولت عليها إسرائيل من مصر عام 1967، من خلال
تقديم مساعدات متزايدة لإسرائيل، ثم إعادتها إلى مصر. كما زاد فورد وكيسنجر بصورة
كبيرة من حجم ونطاق الدعم الأمريكي لإسرائيل.
وشمل ذلك مجموعة واسعة
من الالتزامات السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية الأمريكية الجديدة،
التي جرى تضمينها في مذكرة تفاهم أمريكية إسرائيلية، وُقعت، إلى جانب ملاحق سرية،
في الأول من سبتمبر/أيلول 1975. ووصف مساعدون لكيسنجر الضمانات والتنازلات المقدمة
لإسرائيل خلال هذه المفاوضات بأنها "مذهلة" و"لا تُصدق ببساطة".
وكتب فورد في مذكراته بمرارة عن رسالة إيباك التي وقّع عليها ثلاثة أرباع أعضاء
مجلس الشيوخ، والتي أفسدت خططه الدبلوماسية وألقت بظلالها على حملته الانتخابية.
وفي الواقع، خسر فورد
الانتخابات أمام جيمي كارتر. وكان اللوبي يأمل أن يتخلى كارتر، الذي حصل على 71%
من أصوات اليهود، عن تطلعاته إلى تحقيق سلام شامل في الشرق الأوسط، لكنه سرعان ما
خيب آمالهم. فقد وضع الرئيس نصب عينيه التوصل إلى معاهدة سلام تعالج القضايا
الأساسية للصراع العربي الإسرائيلي. ومع ارتفاع معدلات تأييده في استطلاعات الرأي،
ووجود جمهور أمريكي بدا مستعداً لرئيس عملي يعتمد على المنطق في حل المشكلات، عبّر
كارتر في مارس/آذار 1977 عن اعتقاده بضرورة إقامة "وطن فلسطيني"
باعتباره عنصراً أساسياً في السلام في الشرق الأوسط الذي كان يسعى إلى تحقيقه.
وسرعان ما تحرك اللوبي
المؤيد لإسرائيل ضد مبادرة كارتر للسلام. وفي مذكرة سرية من 50 صفحة للرئيس في
أوائل يونيو/حزيران، حذر كبير مستشاري كارتر للشؤون السياسية الداخلية من أنه
سيواجه عواقب خطيرة، بما في ذلك خطر عدم حصوله على إعادة ترشيح حزبه، نتيجة معارضة
اللوبي لبحثه العلني في إقامة وطن فلسطيني. ولم يردعه ذلك، فقد وجه كارتر انتقادات
مباشرة لما وصفه خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالمواقف المتزايدة التشدد لرئيس
الوزراء إسحاق رابين. وكانت خلافاته مع مناحيم بيغن، الذي أصبح رئيساً لوزراء
إسرائيل في مايو/أيار 1977، أكثر حدة. وفي الوقت نفسه، بدأ كارتر اتصالات مكثفة مع
القادة المصريين والسوريين والفلسطينيين.
وفي أكتوبر/تشرين
الأول 1977، أصدر وزير الخارجية الأمريكي سايروس فانس بياناً مشتركاً مع وزير
الخارجية السوفيتي أندريه غروميكو، تعهدت فيه القوتان العظميان بتحقيق "تسوية
عادلة ودائمة للصراع العربي الإسرائيلي في أسرع وقت ممكن". وعلى الرغم من
توقع الإدارة الأمريكية الكامل لمعارضة سياستها في الشرق الأوسط، فقد صُدمت من رد
الفعل شبه الهستيري للحكومة الإسرائيلية واللوبي على البيان الأمريكي السوفيتي.
وإزاء قلقه العميق من الأضرار السياسية، طلب كارتر اجتماعاً مع وزير الخارجية
الإسرائيلي موشيه دايان في نيويورك. ووفقاً لزبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن
القومي لكارتر، الذي كان حاضراً في الاجتماع، فإن "دايان ابتز الرئيس فعلياً،
إذ قال إنه ما لم يحصل على ضمانات بأننا سنعارض قيام كيان مستقل في الضفة الغربية
وأننا سنقدم لهم مساعدات اقتصادية وعسكرية، فسيتعين عليه أن يعلن عدم استعدادنا في
تصريحاته العلنية هنا في الولايات المتحدة... وقال دايان: يمكنني أن أذهب إلى
اليهود الأمريكيين". وأمام هذا التهديد، استسلم كارتر.
وفي اليوم التالي،
أصدر فانس ودايان بياناً مشتركاً يلخص «ورقة عمل» أمريكية إسرائيلية أُعدت في
الساعات الأولى من الصباح. وأكد البيان أن المفاوضات ستتقلص بصورة كبيرة، وأنها لن
تجعل إقامة وطن فلسطيني قضية محورية. وكانت النتيجة النهائية «سلاماً منفرداً»
احتُفي به بين إسرائيل ومصر، وحصل بسببه كارتر وبيغن والسادات على جوائز نوبل
للسلام، لكنه أدى أيضاً إلى عزل مصر في العالم العربي واغتيال السادات. كما مهد
الطريق أمام غزو إسرائيل للبنان عام 1982 ومشروعات الاستيطان التي أدت إلى ضم
إسرائيل الفعلي للضفة الغربية وقطاع غزة.
ومن المرجح، بعد 13
عاماً، أن الرئيس جورج إتش دبليو بوش شعر بما شعر به كارتر نفسه عندما واجه
المعارضة الشرسة من اللوبي الإسرائيلي لمبادراته للسلام العربي الإسرائيلي، وأعلن
علناً إحباطه من نفوذه. وفي محاولة فاشلة لتعزيز فرص انعقاد مؤتمر مدريد للسلام،
علّق بوش ضمانات قروض أمريكية تعادل ما كانت إسرائيل تنفقه على الإسكان في الأراضي
المحتلة، وواجه معارضة شرسة من اللوبي الإسرائيلي بسبب ذلك. وفي مؤتمر صحفي، عبّر
عن إحباطه.
وقال بوش: «نحن نواجه
جماعات قوية وفعالة للغاية، أحياناً، تصعد إلى [مبنى الكابيتول]". وأضاف: "سمعت
اليوم أن هناك ما يقرب من ألف من جماعات الضغط في المبنى يعملون على الجانب الآخر
من القضية. ولدينا رجل صغير وحيد هنا يقوم بذلك".
وبرزت قدرة اللوبي على
إحباط مبادرات الرؤساء للسلام بصورة قوية بشكل خاص مرة أخرى خلال إدارة أوباما.
فلم يدخل أي رئيس قبله البيت الأبيض وهو يمتلك مثل هذه المعرفة التفصيلية بالنزاع
الإسرائيلي الفلسطيني، ومثل هذا السجل من المشاركة الشخصية مع اليهود والفلسطينيين،
ومثل هذا الالتزام المستمر بتوثيق العلاقات الأمريكية مع العرب والمسلمين. وبعد أن
تبنى بالكامل "حل الدولتين" للمشكلة، أطلق مبادرة سلام رفيعة المستوى
كان من المفترض أن تبدأ بتجميد إسرائيلي شامل للمستوطنات في الضفة الغربية.
لكن موجة الغضب في
إسرائيل وبين قادة اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، والخلاف العلني الذي
اندلع بين باراك أوباما وبنيامين نتنياهو، أثبتا أنهما أكثر كلفة على أوباما من
نتنياهو. وسرعان ما غيّر أوباما مساره، فعمد فعلياً إلى استبدال مبعوث عملية
السلام جورج ميتشل، الذي كان مرتبطاً بشكل وثيق بالتعاطف مع الفلسطينيين، بدينيس
روس، وهو أحد المقربين من اللوبي، وسرعان ما نفذ الرئيس نصيحته بالتخلي عن الجهود
برمتها. وبدلاً من الضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان، أجرى أوباما اتصالاً شخصياً
بمحمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، هدده فيه بسحب 450 مليون دولار من المساعدات
الأمريكية للفلسطينيين إذا لم يسحب عباس قراراً مناهضاً للاستيطان طرحه في مجلس
الأمن الدولي. وفي خطاب أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال السنة
الأولى من ولايته الثانية، انتقل بشكل كبير عن اللغة التي استخدمها في خطاباته
السابقة أمام الأمم المتحدة. فبدلاً من انتقاد المستوطنات الإسرائيلية والضغط من
أجل حل الدولتين، وضع نفسه إلى جانب الضحايا الإسرائيليين للإرهاب الفلسطيني،
وعارض أي تحرك أممي يتعارض مع إصرار إسرائيل على إجراء مفاوضات مباشرة بين
الطرفين، وأدان التحديات التي تواجه شرعية إسرائيل كدولة يهودية.
ويمكن استنتاج سبب
تراجع أوباما الحاد بسهولة من مذكراته "أرض الميعاد"، التي يشتكي فيها
من قدرة إيباك على إخضاع السياسيين الأمريكيين للطاعة من خلال إثارة مخاوف من
وصمهم بمعاداة السامية، ويؤكد فيها هشاشته الخاصة أمام مثل هذه التهديدات باعتباره
"رجلاً أسود يحمل اسماً مسلماً ويعيش في الحي نفسه الذي عاش فيه لويس فرخان".
وفي الآونة الأخيرة،
وجد اللوبي الإسرائيلي في جو بايدن رئيساً كان يؤمن حقاً بأن الدولة اليهودية
تستحق «العلاقة الخاصة» مع الولايات المتحدة. وقد وُضع ثبات هذا الالتزام على المحك
من خلال رد إسرائيل على هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 التي نفذتها حماس والجهاد
الإسلامي.
وبعد أن ترسخ لديه
قبول شعار اللوبي القائل إن أي "مسافة" بين واشنطن والقدس ستشجع التعنت
العربي، وتذكّره للعقوبة السياسية التي تلقاها أوباما بسبب إظهاره "حباً صارماً"
تجاه الإسرائيليين، رفض بايدن جميع توصيات كبار مستشاريه باتخاذ إجراءات ذات معنى
لوقف الهجوم الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة. وعندما قدم شكاوى محدودة بشأن
الخسائر المفرطة في صفوف المدنيين، ونفذ تأخيرات طفيفة في إعادة إمداد إسرائيل
بالأسلحة الأمريكية، رد الائتلاف اليهودي الجمهوري بمهاجمة الإدارة بسبب إدخال
مسافة في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، بينما أرسلت إيباك مذكرة مفصلة إلى أعضاء
الكونغرس تدافع فيها عن أفعال إسرائيل باعتبارها محدودة وضرورية ومصممة للحد من
الخسائر في صفوف المدنيين.
وتُظهر تجربة هذه الإدارات
حكمة وبصيرة استثنائيتين لدى أول رئيس لأمريكا، جورج واشنطن. ففي خطاب الوداع، حذر
واشنطن من أن نظام الحكم الأمريكي يمكن أن تستغله بسهولة شديدة جماعة لديها "ارتباط
عاطفي شديد" بدولة أجنبية. وفي نظام صُمم للاعتماد على تعبئة قوة مضادة للحد
من آثار الفصائل التي تحركها المصالح الذاتية أو وجهات النظر الخاصة جداً، رأى
واشنطن أن أي فصيل ملتزم بمصالح دولة أخرى لن يجد بطبيعته نفوذه خاضعاً للموازنة
من خلال معارضة داخلية فعالة، وبالتالي فإنه سيدفع الولايات المتحدة إلى التزامات
خارجية مبالغ فيها وخطيرة، ويورطها في نزاعات وحروب تتعارض مع مصالح البلاد.
وفي أعقاب الإبادة
الجماعية، تغيرت السياسة المتعلقة بهذه القضية في أمريكا، مع تفاعل عدد كبير من
الأمريكيين بشغف مع الهجمات الإسرائيلية في غزة ولبنان والضفة الغربية. وقد دفع
بايدن وكامالا هاريس ثمناً سياسياً باهظاً لخضوعهما لإسرائيل ولوبيها. وقال ما
يقرب من ثلث الناخبين الذين صوتوا لبايدن عام 2020 ولم يصوتوا لهاريس عام 2024 إن
إنهاء العنف الإسرائيلي في غزة كان القضية الأهم التي أثرت في قراراتهم
الانتخابية. وعبر الحزبين، تراجع التأييد لإسرائيل بشدة؛ إذ يحمل 60% من الأمريكيين
نظرة سلبية تجاه إسرائيل، كما يفوز عدد قياسي من منتقدي إسرائيل في الانتخابات
التمهيدية للكونغرس.
لكن هذه الخسائر لم
تردع إسرائيل أو لوبيها عن العمل على قلب وعود ترامب الانتخابية لعام 2024، التي
تعهد فيها بتجنب الحروب في الشرق الأوسط، والسعي إلى علاقات أوثق حتى بين الجيشين
الأمريكي والإسرائيلي، وإنفاق ملايين الدولارات لإحباط صعود منتقدي إسرائيل.
وبالتأكيد، يحق
للأمريكيين المؤيدين لإسرائيل ولحكوماتها التعبير عن آرائهم والعمل على تشكيل
السياسة العامة، كما أن اللوبي ليس بأي حال الوسيلة الوحيدة للمصالح ذات النفوذ
المالي التي تشوه الديمقراطية الأمريكية. علاوة على ذلك، يتمتع الرؤساء الأمريكيون
بإرادة حرة؛ فقد كانت إدارة جورج دبليو بوش تدار من جانب أشخاص كانوا منسجمين
أيديولوجياً بشكل كامل مع اليمين الإسرائيلي. ويتحمل ترامب غير الكفء وسهل
الانقياد بوضوح مسؤولية الرضوخ للضغط الإسرائيلي وجر الولايات المتحدة إلى الحرب
الأخيرة.
لكن ما لم تتمكن
جماعات أخرى من العمل بحرية واضعة مصالح أخرى في الاعتبار، ومن دون التهديد
باتهامات معاداة السامية، فإن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ستظل مشوهة بصورة
خطيرة. ولضمان المصالح الأمريكية في الخارج وتعزيزها، وكذلك حماية الحريات
الأمريكية في الداخل، يجب على الأمريكيين أن يتحدوا لمنع أي قوة أجنبية من التمتع
بالنفوذ على السياسة والنقاش العام الذي مارسته إسرائيل، بصورة مباشرة ومن خلال
الفصيل الذي يعمل نيابة عنها.
المصدر: صحيفة
الغارديان البريطانية .
الكاتبان: إيان لوستيك
وإيلي كليفتون.
هذه المقالة مقتبسة من
كتاب "لوبي إسرائيل: أمريكا في قبضة قوة أجنبية"، الصادر في 11 أغسطس/آب
عن دارَي أتريا/وان سيغنال للنشر.
اللوبي المؤيد لإسرائيل أثّر في الرؤساء الأمريكيين منذ ترومان.. ويجب أن ينتهي ذلك مع ترامب
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!