محمد علي حارثي - ذا ناشيونال
خلال أيام قليلة، انتقل الرئيس الإيراني
مسعود بزشكيان من الحديث عن "تواصل أكبر" مع آية الله مجتبى خامنئي إلى
الإقرار بأن التواصل مع المرشد الأعلى المصاب أصبح "صعبًا للغاية".
وأعاد هذا التحول طرح تساؤلات حول الجهة
التي تتخذ القرارات الفعلية في طهران، ليتحول الأمر إلى معضلة لافتة، خصوصًا في ظل
المفاوضات الحساسة مع الولايات المتحدة، والتي قد تقود إلى سلام دائم أو إلى حرب
شاملة، فيما أصبحت نتائجها مرتبطة بسرعة اتخاذ القرار وبكلمة قيادة يصعب الوصول
إليها.
وعلى الرغم من محاولات النظام إظهار صورة
تعكس القوة والصمود في الداخل والخارج، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن القائمين
على إدارة البلاد، التي يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، من المتشددين
والشخصيات العسكرية على حد سواء، بعيدون عن التوافق حول موقف واحد في واحدة من
أكثر اللحظات حساسية في تاريخ إيران.
وقال مصدر يوم الجمعة، واصفًا حالة من
الارتباك داخل النظام: "خلال جلسة من المحادثات مع الوسطاء هذا الأسبوع، لم يتمكن
المفاوضون الإيرانيون من الاتفاق بسهولة فيما بينهم، وبدا أنهم بحاجة إلى العودة
إلى جهات مختلفة للحصول على الموافقات وإنجاز الأمور".
وبعد أن ظل مجتبى خامنئي بعيدًا عن الأنظار
خلال مراسم التشييع الجماهيرية الواسعة لوالده، لم يتمكن من وضع حد للتكهنات بشأن
وضعه الصحي ومكان وجوده.
كما أدى اختفاؤه، إلى جانب التصريحات
الغامضة التي يدلي بها المسؤولون الإيرانيون بشأن دوره في اتخاذ القرار، إلى إرباك
الوسطاء والطرف الآخر في المفاوضات، أي الولايات المتحدة، التي تحاول معرفة الجهة
التي ينبغي التحدث إليها.
وحاول بزشكيان في يوليو/تموز طمأنة الجميع
إلى أن الأمور تسير بصورة طبيعية، عندما تحدث أمام مجموعة من الصناعيين عن "زيادة
التواصل وإمكانية الوصول بشكل أكبر إلى قائدنا المحبوب"، الذي يتولى تحديد
سياسة إيران في الحرب.
لكن الرئيس الإيراني قدم هذا الأسبوع رسالة
متناقضة، عندما قال إن التواصل مع المرشد الأعلى أصبح "صعبًا للغاية".
ووفقًا لـ"إيران إنترناشيونال"،
وهي وسيلة إعلام معارضة للنظام، نُقل الرئيس الإيراني مؤخرًا إلى موقع سري في
طهران، ولم يُسمح له سوى بقضاء بضع دقائق داخل سيارة مظللة النوافذ، إلى جانب رجل
قُدّم إليه على أنه آية الله مجتبى خامنئي.
وكتبت "إيران إنترناشيونال" أن "بزشكيان
لم يتمكن من رؤية الرجل الجالس إلى جواره، وسأل لاحقًا عما إذا كان الصوت الذي
سمعه يعود بالفعل إلى المرشد الأعلى". ولم تتمكن صحيفة "ذا ناشيونال"
من التحقق من هذه الواقعة من مصادر أخرى.
كما نقل موقع "إيران واير"، وهو
أيضًا من المواقع المعارضة للنظام، عن مصدرين مقربين من إدارة بزشكيان قولهما إن
شائعات تتحدث عن أن خامنئي في حالة صحية حرجة للغاية وقد يموت في أي لحظة، باتت
متداولة على نطاق واسع داخل أعلى مستويات النظام.
مركز القوة
تتميز البنية السياسية والعسكرية في إيران
بطبيعة فريدة، إذ تركزت السلطة تقليديًا بيد المرشد الأعلى، الذي يقف على رأس
منظومة متعددة المستويات تضم مؤسسات منتخبة وهيئات غير منتخبة وقوى عسكرية موازية.
لكن مقتل آية الله علي خامنئي أدخل البلاد
الواسعة في نمط جديد من القيادة الجماعية.
وعلى الصعيد العسكري، ومع مقتل كبار
الجنرالات، لجأت القوات الإيرانية أيضًا إلى استراتيجية أطلقت عليها "الدفاع
الفسيفسائي"، تقوم على توزيع الصلاحيات على القادة المحليين، ما عزز دور
الحرس الثوري الإيراني على مختلف مستويات الحكم.
وتأسس الحرس الثوري لحماية الثورة الإيرانية
عام 1979، وتمكن تدريجيًا من توسيع نفوذه داخل البلاد وفي أنحاء الشرق الأوسط من
خلال الجماعات المسلحة الحليفة له.
وفي عهد خامنئي الأب، كان الحرس الثوري لا
يزال مضطرًا في الغالب إلى الالتزام بإرادته. لكن مقتله فتح المجال أمام أطراف
أخرى للتقدم نحو أعلى مستويات السلطة.
وكتبت مؤسسة "جيمس تاون" الشهر
الماضي: "على خلاف الماضي، عندما كان المرشد الأعلى يقف فوق جميع المؤسسات
ويتمتع بسلطة مطلقة، تعمل القيادة السياسية الإيرانية الجديدة ضمن إطار جماعي لا
مركزي، تتوزع فيه السلطة بين المؤسسات الأمنية، مع الحرس الثوري بوصفه الجهة
الأكثر نفوذًا".
وأضافت المؤسسة أن تراجع الطبقة الوسطى
وتهميش الإصلاحيين والمعتدلين مهّدا الطريق أمام تنامي هيمنة الحرس الثوري.
وبحسب المؤسسة، فإن محمد باقر قاليباف
وشخصيتين أمنيتين أخريين، هما محمد باقر ذو القدر، رئيس المجلس الأعلى للأمن
القومي، وأحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري، يتولون فعليًا إدارة الشؤون اليومية
للحكومة الإيرانية.
أما مؤسسة "خدمات المعلومات
الجيوسياسية" البحثية، فتعتبر أن الحرس الثوري أصبح الآن "مركز القوة في
إيران".
القلم والورق
أدى غياب مجتبى خامنئي عن الأنظار إلى
تكهنات بأنه أصبح عاجزًا عن ممارسة مهامه، أو أنه يختبئ لتجنب المصير الذي انتهى
إليه والده.
ومع تصاعد التساؤلات بشأن اختفائه، تتزايد
بالتوازي قوة مجموعة من القادة الذين راكموا خبرة طويلة في الحروب داخل الحرس
الثوري، ومعظمهم من المتشددين أو المقربين منهم.
لكن إلى جانب حالة الارتباك بشأن الجهة التي
ينبغي التواصل معها، هناك تحدٍ آخر يتعلق بالاتصالات والأمن؛ إذ اضطر الوسطاء إلى
تسليم المذكرات والرسائل على الورق والسفر جوًا إلى طهران، في ظل تقييد النظام
لاستخدام الإنترنت والتكنولوجيا خشية اختراقها من قبل أجهزة الاستخبارات
الإسرائيلية والأميركية.
وظهرت هذا الأسبوع تقارير تفيد بأن الرئيس
السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، قُتل في غارة إسرائيلية، بعدما
تلقى ابنه اتصالًا من أحد أفراد العائلة أثناء وجودهما معًا.
لكن العائلة أصدرت بيانًا نفت فيه هذه التقارير،
مؤكدة عدم وجود أي هواتف في موقع الغارة.
كما ظهرت تقارير عن سيطرة إسرائيلية على
كاميرات المراقبة في طهران، ما أدى إلى فتح تحقيق واسع وإعادة النظر في أساليب
مراقبة حركة المرور والطرق.
وقال المصدر المقرب من المحادثات: "عملية
اتخاذ القرار أصبحت أبطأ وأكثر تعقيدًا بكثير. هل يمكن لهذا الوضع أن يستمر على
المدى الطويل؟ سنعرف ذلك قريبًا، عندما يحين الوقت لاتخاذ القرار بين الحرب
والسلام. في الوقت الحالي، إيران في أيدي دعاة الحرب".
مرشد أعلى بلا سلطة عليا: غياب مجتبى خامنئي يكشف تصدعات في منظومة الحكم الإيرانية
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!