بقلم جيريمي هانت*
لدى بريطانيا زعيمها الخامس في أقل من خمس
سنوات. وعلى الرغم من أن حزب العمال قد تفوق على حزب "إصلاح المملكة المتحدة" (Reform UK) في عدة
استطلاعات للرأي، إلا أن الهزات المبكرة في سوق السندات، والتي تدفعها حالات عدم
اليقين بشأن أجندة رئيس الوزراء آندي بيرنهام، قد تؤدي بسهولة إلى مزيد من عدم
الاستقرار السياسي. فهل أصبحت بريطانيا "إيطالية" تماماً مثلما تتخلص
إيطاليا من عادة رؤساء وزرائها ذوي الأبواب الدوارة في عهد جورجيا ميلوني؟ في
الواقع، إن عدم الاستقرار السياسي في بريطانيا ليس فريداً من نوعه على الإطلاق؛
فهو يمر بنفس القوى التي تزعزع استقرار الحكومات في جميع أنحاء أوروبا. فكما هو
الحال في العديد من الدول الأوروبية، تفتت النظام الحزبي الثنائي في بريطانيا، وأصبح
الآن نظاماً من خمسة أحزاب (أو ستة أحزاب في اسكتلندا وويلز). وفي انتخابات عام
2024، صوت 57.4 بالمئة فقط لصالح حزب العمال أو المحافظين، وهي أدنى حصة مشتركة في
التاريخ الحديث. وحدث ذلك جزئياً بسبب تآكل نظام الطبقات القديم، الذي كان في
السابق مؤشراً آمناً لعادات التصويت. ثم أحدث خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي
(بريكست) اضطرابات أخرى، مما أدى إلى فصل حزب العمال عن قاعدته من الطبقة العاملة.
وفي الوقت نفسه، أصبح الناخبون البريطانيون أكثر تقلب، حيث تغيرت آراء أكثر من 40
بالمئة ممن دعموهم بين الانتخابات العامة لعام 2019 و2024 - وهو رقم مذهل.
ولكن حتى الدول التي ليس لها نظام ثنائي
الحزبية تقليدي كانت تتعامل مع تحدٍ آخر: صعود الأحزاب الشعبوية. فقد نمت قوتها من
خلال توجيه المظالم المشروعة بشأن الهجرة غير الخاضعة للرقابة أو التوزيع غير
العادل للفرص. ولكن سيطرتها على وسائل التواصل الاجتماعي هي التي جعلتها تشكل
تهديداً كبيراً للأحزاب السائدة. وكان الخوف من زعيم حزب الإصلاح نايجل فراج أحد
أكبر الأسباب التي دفعت أعضاء البرلمان عن حزب العمال إلى إقصاء رئيس الوزراء كير
ستارمر.
وعندما يتعلق الأمر بوسائل التواصل الاجتماعي،
ربما كان على السياسيين الرئيسيين أن يتعلموا درساً من كتاب الرئيس دونالد ترامب.
أذكر أنني أُرسلت إلى مطار ستانستد لاستقباله في أول زيارة رسمية له إلى بريطانيا
في عام 2019. وانتظرنا حتى تفتح أبواب طائرة الرئاسة (Air
Force One). وفي النهاية، بعد ما بدا وكأنه أبدية،
ظهر الرئيس. وما سبب التأخير؟ كان منخرطاً في حرب على تويتر مع صادق خان، عمدة
لندن. وفي ذلك الوقت، كنت أعتقد أن الأمر برمته سخيف نوعاً ما. ولكن الساعات
الثلاث التي يُقال إنه قضاها كل يوم من ولايته الأولى على التلفزيون أو وسائل
التواصل الاجتماعي تمثل جزءاً هائلاً من ترسانته. لا يوجد زعيم آخر قابلته يبذل
هذا الجهد في التحدث إلى الناخبين حتى خارج الحملات الانتخابية. ولكن بذل الجهد في
التواصل ليس سوى البداية.
لقد عملت عن كثب مع أربعة رؤساء وزراء وخلصت
إلى أن هناك ثلاث صفات رئيسية ضرورية للقيادة الفعالة في الديمقراطية. أولاً، يجب
أن تكون قادراً على إقناع الناس بالحاجة إلى التغيير. ففي بريطانيا، أقنعتنا
مارغريت ثاتشر (أو أقنعت ما يكفي منا) بأننا بحاجة إلى تبني روح المبادرة والعمل
الجاد. وأقنع توني بلير حزب العمال بإلغاء البند الرابع من دستوره الذي يلتزم بملكية
الدولة. وأقنع ديفيد كاميرون البلاد بالحاجة إلى خفض العجز في المالية العامة بعد
الأزمة المالية العالمية.
واليوم، فإن الحجة الأساسية التي يحتاج رئيس
الوزراء الجديد إلى تقديمها تتعلق بضرورة كبح جماح دولة الرفاهية المتسعة باستمرار
في بريطانيا. فهي تكلف دافعي الضرائب مبالغ ضخمة من المال وتحافظ على إبعاد عدد
كبير جداً من الناس عن سوق العمل. وفي أول مقابلة رئيسية له في منصبه، قال بيرنهام
إن البلاد "أصبح لزاماً عليها أن تصبح جادة حقاً" بشأن خفض فاتورة
الرعاية الاجتماعية. وسيأتي الاختبار الحقيقي في الخريف، عندما تقدم مراجعتان
حكوميتتان حول إعانة العجز والبطالة بين الشباب توصياتهما النهائية وعليه أن ينتج
خطة.
ولكن القيادة الفعالة تتعلق بالتنفيذ فضلاً عن
الإقناع. فقد أقر الرئيس ليندون جونسون قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون
حقوق التصويت لعام 1965 من خلال معالجة رغبات ونقاط ضعف أعضاء مجلس الشيوخ
الأفراد، وغالباً ما كان يتفاوض شخصياً على الصفقات اللازمة للحصول على دعمهم. ثم
وضع الأطر الإدارية اللازمة لجعل القوانين الجديدة نافذة المفعول. وعندما تصبح
السياسة استعراضية للغاية، لا يتغير شيء - ويصاب الناخبون بخيبة أمل. ولهذا السبب
آمل أن يكون بيرنهام مهتماً بالكفاءة الإدارية بقدر اهتمامه بالخطب الكبرى للأمل.
أخيراً، يحتاج القادة إلى أن يكونوا أذكياء بما
يكفي للبقاء في السلطة. وعكس الرؤساء، يمكن عزل رؤساء الوزراء البريطانيين في
منتصف ولايتهم. كما يمكن انتخابهم لفترات متعددة. ولكي يفعلوا ذلك، يجب أن يكونوا
أذكياء في الشوارع بما يكفي - وأحياناً بلا رحمة - من أجل البقاء. فالاستمرارية
ليست مجرد مصلحة سياسية ذاتية؛ بل إنها ضرورية إذا كان يراد تحقيق أي تغييرات
أساسية.
إن شخصية القائد وقدرته تهم حقاً عندما يتعلق
الأمر بعمل الديمقراطية. والأمريكيون يعرفون ذلك أيضاً، وهم يواجهون تحديات مختلفة
- ولكنها عميقة بنفس القدر - مثل الاستقطاب في عمل ديمقراطيتهم. وبينما نفكر في
كيفية تحسين إدارة ديمقراطياتنا، يجب أن نتذكر ما هو على المحك. ستكون الحجة
الأساسية في هذا القرن، مرة أخرى، بين الاستبداد والديمقراطية.
تحتاج المجتمعات الحرة إلى إظهار أنها قادرة
ليس فقط على النقاش بل وعلى إيجاد الحلول أيضاً. وهذا يعني حكومات مستقرة وفعالة
يكون فيها القادة قادرين بنجاح على الإقناع وتحقيق النتائج والبقاء. وإذا كانت
بريطانيا والولايات المتحدة، وهما من أبرز ديمقراطيات العالم، لا تستطيعان معرفة
كيفية القيام بذلك، فإن الدول الأخرى ستلجأ إلى أماكن أخرى بحثاً عن الإجابة.
*واشنطن بوست، جيريمي هانت منصب وزير الخارجية البريطاني من
عام 2018 إلى 2019 ووزير الخزانة من عام 2022 إلى 2024.