حينما نقف عند العتبات الإعلامية تقدح في أذهاننا مقولة "الإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه"،
ترشدنا هذه المقولة إلى مضامين منها (
التواصل والتعارف إلخ ..) وهذا ما ذكره الكتاب الكريم بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات: 13)، ومن المضمون القرآني
نستشف الحاجة للتعارف بين البشر إذ تقترن مع هذا المفهوم القُرآنيّ، دلالة أُخرى
لمفهوم الإعلام ببلاغة القول بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ
الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ( سورة القصص: 51) وكذلك تعني الدلالة اللغوية للإعلام :
التبليغ , يقال بلغت القوم بلاغاً، أي أوصلتهم الشيء المطلوب ( يُنظر : لسان العرب، مادّة:علم).
والوظيفة الإبلاغية التي يُؤدّيها الإعلام هي دور السلطة، إذ يمُثّل الإعلام
سلطة رابعة تُضاف إلى السلطات الثلاث المعروفة، بل عدّت أهمها من حيث القوّة والتأثر, فالإعلام
عادة ما يضطّلع بدورين أساسيين هما: ( المنتج والمستهلك ). إذْ إنَّ الغاية
الأساسية التي ينشدها الإعلام الدور المنتج لآيديولوجيات معينة يساندها في قيام
هذا الدور التكنولوجيا الحديثة التي غزت المجتمع حديثاً، وعليه أصبحت المادّة
الإعلانية ليست ناقلة لصورة هذا المجتمع فحسب، بل هي آلة لصناعته وموّجه مباشر
لسلوكياته، ومن ثم التحكم به والسلطة عليه من خلال عناصرها الثلاثة( الصورة
والمشهد وصناعة الخبر)، فضلاً عن ذلك، تغيير أساليب تخزين المعارف والمعلومات, إذ
قال "ماكلوهان": إن الابتكارات التكنولوجية التي ظهرت أثّرت
تأثيراً كبيراً في الإنسان والمجتمع عامّة،
ولاسيّما سلطة الحروف المتحركة، إذ جعلت الإنسان يتخلّص من القبلية الحروف (يُنظر:
نظريات الاتّصال والإعلام الجماهيري، د. محمد جاسم فلحي الموسوي).
وبما أنّ الحياة الاجتماعية الحديثة يتشكّلها عالمان،
عالم واقعي وعالم غير واقعي، اخترقت الافتراضية وشقّت طريقها نحو عالمها المفضّل
في هذهِ الحياة وهو (العلم غير الواقعي).
وما كانت الافتراضية لتمثّل سبيلاً خلاصياً موصولاً إلى
الأمل لولا صدورها عن وعيّ فرديّ لذات
تسعى إلى الكشف عمّا اعتمل في فكرها ووجدانها عن العالم الواقعي، وتحويل الغياب
الواقعي إلى فرضية ؛لتوليد الحياة والأمل والطمأنينة، وبالطبع سيجلب هذا الكشف إلى
الفرد في مجتمع الافتراض كلّ مهارات الإقناع والتشويق في الاستمرار نحو التواصل، لذا
وجب الاحتراز من هذا المجتمع الذي نعبّر عنه – نقديا - بالأزرق ( الفيس بوك)
المضمر في مباني مشاهده وأخباره، إنّه مجتمع جديد تتخطّى فيه كل الحدود الزمانية
والمكانية، عالم رمزي وموازٍ بالتناقض والتضّاد للعالم الواقعي، مجتمع يتّخذه
الفرد ملاذاً من ثرثرة خلجات أو خوف وأداة
تعويضية يستعين بها لتخطّي مرحلة صعبة أو حرجة.
فيستطيع فيه التعبير عمّا لا
يستطيعه في عالمه الواقعي، وتحقيق ما لا يستطيع تحقيقه في الحياة الواقعية
المحدّدة بضوابط الزمان والمكان ؛بوصف أنّ هذا الاتصال بهذهِ المجتمعات الفرضية هو انعتاق
تاريخي يسعى إليه الفرد منذ القدم، وعليه كان نشدان هذا الافتراض بهذا المعنى هو
تنازع حول الأنا ورغباتها بين الذوات الأُخرى التي تلازم هذا المكان أو التجمّع
المفترض، ومن ثّم أن ملازمة مجتمع هكذا يخرق سياق الألفة الواقعية، فمجتمع الصورة([1]) أو الوجه ( الفيس بوك) في الأغلب يسعى لتحقيق غاية
واحدة، هي الهروب من الواقعية لأسباب كثيرة يتعرّض لها كلّ فرد من أفراد المجتمع
الواقعيين من نحو العامل ( الاجتماعي،
الصحي، العاطفي، النفسي، المرضي), والوقوف على أطلال هذا العوالم سبيل ينشده كل
هارب في العالم الأزرق , ولا يعني أن كل من يرتاد هذا المجتمع (( جميعاً هاربين من
الواقع، غير أن هذا المجتمع الافتراضي المزدحم بسكّانه أصبح وجهة مميِّزة لمن ضاق
عليهم عالمهم الواقعي )) صناعة الواقع: الإعلام وضبط المجتمع، محمد علي فرح: 238.
وبما أن منظومة الحياة اليوم مشهد مرئي أو عرض تقديمي يحوّل ميادين الحياة
إلى شيء مرئي قابل للاستهلاك، ومن ثم أن
هذه الحياة كما تمثّلها المشاهد صورة من التفاعل المغاير ينطق من مجرد نفور غريزي
ليتحوّل عبر تراكم الصور والأساليب إلى علامة وجود مرئي ذاتي محضّ، أي يعلن فيه
الكلّ – المنتمون له – سيد نفسه أو سيد لعالمه الخاصّ، ففيه يثور الثائر، ويلحد
الملحد، ويصلي المصلي والمزكّي والحاج، أنه عالم غير خاضع للرقابة ولا تحكمه
القوانين، فالثقافة الإنسانية التي انتهى لها عصر الفيس بوك هي ثقافة تكريس مبدأ (أعرض
نفسك) بديلاً للمبدأ الاغريقي السائد ( أعرف نفسك) حيث يقوم الشخص بعرض واستعراض
مهاراته ومواهبه العلمية والمهنية إلى آخره (يُنظر: المجتمعات الفرضية بديلاً عن
الواقعيّة، بهاء الدين مزيد: 3).
من هنا أخذ الفرد
يستقي مستقبله وحاضره من مصدر افتراضي، بل
تعدّى إلى أكثر من ذلك واقتحم خصوصياته ,وصُوّرت حياة الفرد منهم في مشهد يختصر
حياته وأحياناً حتى موته فكل ما يتعرّض له يلخصه مشهد، بل ابدلت – المشاهد الافتراضية – معالم الواقع واستبدلته
بــ( فوق الواقع) بحيث أصبح الفرد كأنه
يدرك متى يموت وأين، وهذا ما حدث في استعراض مشاهد الذين اختاروا الموت تفضيلاً
على الحياة بعدما تيقنوا أن الحياة لا تعني لهم شيئاً في ماضيها ولا حاضرها مع
إلغاء فرص، الصور التسويقية التي تشبّعت بها ذهنية المنتمين لها في عالم المجتمع
الأزرق، صورت الحياة، حياة يتساوى فيها الجميع حياة سلام، الإنسان فيها حرّ طليق
يفعل ما يشاء، وهنا صار فعل الانتحار ومن يقبل عليه ويختاره شيئاً اعتيادياً يُعرض
ويشاهده الأصدقاء الافتراضيون بتأييد وإصرار على فعله، وجاء هذا الإقبال بفعل
الصور الجاهزة والمقولبة التي صورتها حياة الافتراض، لكن عند الرجوع إلى العالم
الواقع ينصدم الفرد بما حوله، فيرى الحياة هي مسرح مظلم لا مفرّ منه فيختار أبدية
الموت ظناً منه أنه الأفضل، تاركاً وراءه الكثير من الفرص التي تهبها الحياة
للإنسان .
فضلاً عن ذلك
أن السلوكيات الانتحارية ليست بالضرورة تكون متصلة بأمراض الاكتئاب والأمراض
النفسية الأخرى، فنرى أحياناً كبيراً في السن، ونرى تاجراً، ونرى طبيباً يقدم على
هذا السلوك غير المرغوب، وهذه السلوكيات مرجعها أن الحياة لدى هؤلاء كانت حياة
مثلى توفّر لهم كل مقوّمات العيش السليم والراحة والرفاهة الاجتماعية إلا إنّهم وصلوا إلى مرحلة رأوا أن
وجودهم لا معنى له، من هنا عرّف "دور كايم"
الانتحار بأنه: (( كل حالات الموت التي تنجم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن
فعل إيجابي أو سلبي تنفذه الضحية ذاتها، والتي كانت تعلم بالنتيجة المترتبة على
فعلها بالضرورة، ومحاولة الانتحار هي الفعل المحدد
عملياً على هذا النحو، ولكنه المقرر قبل أن يكون الموت عاقبة له)) ( الانتحار،
أميل دور كايم، ترجمة حسن عودة : 55).
من هنا أضحت وسائل التواصل
الاجتماعي ولا سيما (الفيس بوك) وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي والمشاكل التي
يعاني منها الأفراد، وفي الوقت نفسه منصة للتساؤل وبثّ الرسائل الانتحارية من قبل
أصحابها على صفحاتهم الشخصية قبل الشروع
بالانتحار، لذا فالمشهد الانتحاري
الذي يعزّزه المجتمع الافتراضي من خلال مساحات النشر الواسعة والمتاحة للجميع
والخالية من الحدود الانضباطية تصوّر هذا الحدث الكبير إلى أمر بسيط يمكن نشره
واستعراضه للعامّة
ولنخرج هنا من افتراض منهجي يرى أن الدائرة الزرقاء
الافتراضية للحياة بشتى أنواعها وأساليبها ترسم حدود الوجود والتفاعل الذاتي،
وبشكل رمزي في حيّز نوعي بحيث لا يكاد ينفصل البحث عن كنوز العالم الافتراضي عند
الفرد فتخوض فيه المشاعر الرمزية لعلاقات الألفة من حضور وتواصل وشعور بالانتماء
بتعابير منها ( لايك: like)، و(الشير (sharوان صار وحدثت القطيعة فيحظر الشخص بــ(block).
نخلص القول بأنَّ اجتماعية الفيس بوك تلغي الفلسفة القائلة: (الانسان اجتماعي بطبعه) وتصنع
لجمهورها المتعة المجانية، لتنتهي بالفرد بالتخلّي عن المسؤوليات الواقعية الملقاة على عاتقه، والانبهار بهذا العالم
الجديد والمتطوّر الذي يُجسد في ثياب بريئة محتالة.
المصادر
والمراجع
1- القُرآن الكريم
2- الانتحار، إميل دور كايم، ترجمة : حسن عودة،
اله يئة العامّة السورية للكتاب – وزارة
الثقافة، دمشق، 2011.
3- ثقافة الصورة – دراسات أسلوبية، الدكتور عمر العتيق،
عالم الكتب الحديث ، إربد – الأردن،2011.
4- صناعة الواقع –
الإعلام وضبط المجتمع، محمد علي فرح، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت لبنان، ط1,
2014.
5- لسان العرب، ابن
منظور، دار صادر، بيروت –لبنان، ط1 ،2011.
6- المجتمعات الافتراضيّة بديلاً عن الواقعية- كتاب
الوجوه إنموذجاً- ، بهاد الدين محمد مزيد،
جامعة الإمارات العربية المتحدة، الإمارات، 2012.
7- نظريات الاتّصال والإعلام الجماهيري، د. محمد
جاسم فلحي الموسوي، الناشر : الأكاديمية
العربية المفتوحة في الدنمارك، ( ب.ط)، ( ب.ت).
[1]بوصف أن الصورة تعد قناة تواصلية مائزة لها القدرة الكاملة في المنافسة للكلمة في
أغلب السّياقات والمقامات ؛ نظراً للامتيازات التي تمتلكها الصورة من الرمزية
والإيحاء والإقناع التي تعبر أكثر ممّا يقال. يُنظر: ثقافة الصورة: دراسات أسلوبية، د. عمر العتيق: 2 .